قبل أشهر كتبت “أنا محبط وحزين” لعلمي أن هذه التدوينة قادمة لا محالة
مع عودتي إلى عالم التصوير ، أراجع باستمرار كيف تكون الصورة جميلة، وأطور من نفسي كمصور.
فعناصر الصورة الجميلة إضاءة جيدة، وتكوين جيد. والإضاءة الجيدة تعني التباين بين النور والظل، فالصورة التي كلها نور ولا تباين فيها تسمى “مسطحة” بلا ملامح، على عكس الصورة الجميلة التي فيها مزيج جميل من النور والظل.
يتحرى المصورون ساعات الصباح الباكر وقبيل الغروب، لأن الشمس لا تكون عمودية فتحرم صورهم جمال امتزاج النور بالظل.
وفي الإضاءات الداخلية، يجتهدون أيما اجتهاد في توزيع الإضاءات بزوايا خاصة تمنح الوجوه إنارة من جهة، وظلالًا من الجهة الأخرى فجمال النور لا تظهره إلا الظلال.

قبل سنتين، كانت حياتي مليئة بالنور، مسطحة لا ملامح فيها. ثم جاءت الظلال، الكثير من الظلال، وصارت الصورة معتمة كثيرا، وشيئا فشيئا، وبعد محاولات كثيرة لضبط أدواتي للوصول لصورة جميلة فيها الظل والنور، وجدتها.
صارت حياتي جميلة بعد أن خفت أن لا تكون أبدًا، ووجدت بحمدالله حلولًا لكل المشكلات الجديدة، واليوم أنا بخير، وصورتي جميلة.
قبل أربعة أشهر، نشرت تدوينة عنوانها “أنا محبط وحزين”. وبالرغم من أنني لا أحب الشكوى لاسيما على الملأ، إلا أنني نشرتها لعلمي أن يوما كاليوم سيأتي، ولن أكون محبطا ولا حزينا، وسأكتب لكم، أنني بخير.
الأشهر الماضية كانت مليئة بالقراءة، والحركة، والحب، وكيف لا يتعافى من يقرأ ويتحرك ويحب؟
القراءة
أيام مربع، كان يشغل بالي كثيرا أن شخصًا لا يقرأ، يصنع الثقافة. كنت أعترف لنفسي باستمرار أن جل ما عندي ثقافة سطحية من هنا وهناك، كنت أسميها “ثقافة العناوين”. فالزمن لم يَجُد علي بالقراءة المبكرة، ولا تأسستُ على علمٍ منهجي، ولا أذكر أنني قرأت في حياتي إلا كتب قليلة مشهورة. تكونت ثقافتي السطحية من تويتر ويوتيوب وبعض المحاضرات المتفرقة هنا وهناك.
كنت أعرف أن هذا نقص كبير فيّ، وأن من واجبي تجاه نفسي وتجاه دوري كصانع للثقافة ومؤثر، أن أهتم أكثر بأمهات الكتب، والعلم المنهجي، وتقويم لغتي العربية.
هذه الشهور بدأتُ المشروع أخيرا، مشروع رفع الجهل عن نفسي وتقويم لغتي وزيادة قراءاتي، واستشرت الصديق ماجد الأهدل، فدلني على أكاديمية الشنقيطي فوجدت فيها كنوزا ثمينة من محاضرات وشروح وسلاسل مصورة. وفي كتب السير وجدت جمالًا لغويا أخّاذًا، وجولانا في حياة العظماء يشغل فضولي ويسليني.
سمعت “شرح ديوان الحماسة لأبي تمام”، فامتلأتُ حماسةً وفخرًا وأصالة.
ثم قرأت الأيام لطه حسين، وطربت من لغته البديعة، وعشت معه فصول أيامه العجيبة. ولما فرغت منه أكملتُ قصته من زاوية أخرى، فقرأت “معك” لزوجته سوزان، واكتملت بذلك صورة حياته عندي.
ثم مررت على العقاد وقرأت سيرته “أنا”، وشعرت أن شخصيته أقرب لي من طه، مع أن طه عذب والعقاد صلب. ولكن لغته المنطقية، وحكمته البليغة، وشخصيته العنيدة، أعجبتني ووجدت فيها نفسي.
ثم قرأت نوفيلا موت إيفان إيليتش لـ تولستوي، وتأكدت أن لا شيء يستحق أن تعيش حياة لا تشبهك، وعزمت على ما أخطط له من مضيّ.
أما كتاب “شجاعة أن تكون غير محبوب” فقد جرني إليه اقتباس مذهل سمعته في مقطع يوتيوبي انقليزي، يقول “من يستمد من معاناته شعورًا بأهميته، سيظل دوما متمسكا بهذه المعاناة”، فقرأته بلغته الأصلية الانقليزية مرة، ومترجما بالعربية مرة، ووجدت في هذا الكتاب علاجا نفسيًا عظيمًا، ومواجهة صارمة مع النفس والمعاناة.
أما هذه الأيام فأقرأ “حياتي” لأحمد أمين، وأبدأ بدايات متعثرة دروس شرح الآجرومية، عسى أن أصمل.
أصبحت أقرأ يوميا بشكل تلقائي، وهذه معجزة لشخص لم يكن يومًا قارئًا.
أحب الحركة، وإن كان من سرٍّ واحد للنجاح فهو الحركة.
أحبها بجميع أشكالها، فإن كان العمل والإنتاج حركة، فالجسد يطلب الترحال والمغامرة والسرعة وأجد ذلك في السفر، والدباب، والدراجة.
الأشهر الماضية صار الجو في جدة جميلا، وصرت أخرج بدراجتي مرات عديدة يوميا، إما وحيدا أو مع ملك في كرسيها الصغير خلفي.
وإن لم تكن الدراجة، فالدباب. ففيه متعة لا يمكن وصفها لغير مجرب. انطلاقٌ مذهل، و لعب مع الخطر لذيذ، والكثير من الحريّة، وهو عندي صنفٌ من صنوف الفروسية.

أما السفر فقد سافرت إلى بودابست مع حبيبتي وكانت رحلة جميلة.
وأخطط الآن لرحلة أخرى للتزلج على جبال الثلج مع أصدقائي، كانت حلما تأجل عاما بعد عام، والآن يتحقق بإذن الله.

الحب
الحب دواء، ولما تظلم الصورة بالظلال، ينيرها الحب فتجمل. ومن نعم الله العظيمة عليّ، عائلة أحبها وتحبني.
أمي وأبي وإخوتي، حبيبتي وبنتيّ. معهم أقضي جل وقتي وحياتي، ولأجلهم ما تبقّى.
بعد ولادة بنتي يافا، اتسع قلبي لمكانها الجديد فيه، وخُلق في الحياة حبٌ جديد، وأعادت لنا دهشة الخَلق، وجمال الطفولة، ولمعة الأمل.
ملَك كبرت بعد يافا أعوامًا عديدة، صارت في أعيننا كأنها بالغة عاقلة، وكِدنا أنا وحبيبتي أن نشعر بالجنون لولا أن رأينا في انستقرام مقطعا يتكلم عن الشعور ذاته، فعرفنا أنه مشهور.
انستقرام! كدت أنسى!
عُدت لشبكات التواصل من بوابة انستقرام، ما أجمله وما أجمل روّاده.
ومن تجربة أولى سريعة، شعرت بالاطمئنان أنني ما زلت أملك لياقة المحتوى. فبالرغم من أنني جديد على تلك المنصة، ولا أعرف أدبياتها، إلا أنني أبدعت فيها، وحصدت تفاعلا واسعا جدا، ودوّنت تدوينات جميلة أنا سعيد بها.

ولما توالت الأرقام تلو الأرقام، وبلغ حسابي مليون مشاهدة بين منشورات وستوريات، رضي كبريائي عني وقال: هامور وتبقى طول عمرك هامور.

الأيام القادمة، أخطط لمحتوى على يوتيوب، أظنه سيكون عظيمًا.
أما هذه الأيام، أنا راضٍ وسعيد.

اترك رد