العودة العودة، ما أجمل العودة وقصص العودة.
عدت إلى ملعبي الذي أحب، لساني الذي أحكي به، وجهي الذي أواجه به العالم، أنا.. عدت أنا.

أزحت عن قلبي هم الخوف من العودة، طريقها وطريقتها، ونشرت أول مقطع في قناتي، والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس، وكنت أؤخر كتابة هذه التدوينة، حتى لا يكون احتفالا عاجلا، لكنني اليوم أحتفل بإنتاج ستة مقاطع، وبمئة ألف مشاهدة بعد الصفر الجديد، مئة ألف فَوقْ، بعد صفر عميق جداً تحت.
الحمد لله، راضٍ جدا عما أقدم، والناس راضية وسعيدة، وتبعث فيها الأملُ عودتي.

لا يستطيع البلبل تبرير رغبته الجامحة بالتغريد، ولا صانع المحتوى. هو شيء أصيل فيه، إذا لم يعمله يموت، يموت من داخله، ويبقى بلبلا بلا تغريد ولا صوت. وتصير الحياة باهتة، ويستمر في أداء واجباته اليومية منهزما. لأنه بلبلٌ ويحب التغريد، ولا يقوى العيش وإن أكل وشرب وطار، إلا لما يغرد.
أنا أحب التغريد، أحب الحكاية، أحب التفاعل مع الناس، أحب لما يقولون: جميل يا حاتم، أثرت بي يا حاتم، نفعتني ياحاتم، حتى: “هههههههه” أحبها، وأعود لها مرات ومرات أقرأها، أضحكتُ شخصا: يا لجمال اللحظة.
والآن عدت، وعاد لي صوتي وتغريدي. عدت أنا كما أحب، وبطريقة جديدة وغريبة. لكنها ليست المرة الأولى التي أغير فيها نغمتي، فأنا كثير، والحياة كثيرة، ولا مبرر لأن يحبس البلبل نفسه في نغمة واحدة.
وَعدتُ الناس وعودا ثلاثة، وسألتزم بها حتى نهاية هذه الجولة.. محتوى عربي، لا خوارزمي، مجاني.
محتوى عربي
في لقائي مع د. مختار الغوث في مربع، وهو المحامي عن اللغة العربية، قلت له قبل التصوير: نريد أن يكون اللقاء بسيطا وعاميا، ونريد أن نبسط لغته للناس.. فلم يعجبه كلامي فرد: لا أفعل ذلك، والعامة ليسوا جُهال حتى يبسط أحد لهم شيئا، نتحدث لغتنا ونرفع الناس لها، العامية للحياة اليومية، والفصحى للإعلام والناس.
حينها قلت في نفسي: متخصص محبوس في مجاله، ولم يعجبني كلامه.. الآن تغير رأيي، كان د. مختار على حق.
الإعلام يجب أن يكون فصيحا، لأنها اللغة المرجعية، ولأنه متجاوزٌ مكانه ومحيطه العامي الضيق، ولأن الفصحى جميلة.
قررت أن يكون كل ما في القناة فصيحا، وهذا تحدٍ صعب، ولكن واجبي أن “أرفع نفسي” له.
لم يعجب القرار كثيرا من الناس، لا سيّما أصدقائي، ربما لأنهم تعودوا سماعي يوميا بالعامية -وأنا كثير الثرثرة-، فرأوا على الشاشة شخصا آخر.
وللبعض الآخر اعتراضات من قبيل “لا تتكلف”.
أما على الضفة الأخرى، أُعجب كثيرون بالقرار، لأسباب شتى.
ولكن أكثر ما استوقفني هذا الرد على يوتيوب:

وهذا لعمري سبب كاف للاستمرار، أن يكون عملي للجميع، حتى هذه الفئة التي لا تمر على بال.
الأخبار فصيحة، التعليق على كرة القدم أكثره فصيح، برامج الأطفال فصيحة، فلمَ يكون “تكلفا” أن يكون محتوى يوتيوب فصيحا؟
محتوى لا خوارزمي
يعرف الجميع أن الخوارزميات أفسدت عقول الناس، ونكافح جميعًا أثرها العفن على أدمغتنا ومعرفتنا ومشاعرنا، ولكن كلما بدأ صانع محتوى في التفكير بمحتواه، يبدأ بالتفكير بالهوك والمدة الصحيحة ووقت النشر الصحيح، وعدد تغيير الزوايا والإضافات الصوتية والمرئية التي تحافظ على “مدة المشاهدة”. مدة المشاهدة صارت معبودا بغير حق، يريد الكل الحفاظ عليها بشتى الطرق الرخيصة، ولو على حساب الجودة وأحيانا الكرامة.
أستغرب من قيام الصناع بتصوير أنفسهم من زوايا غريبة، وفي وضعيات غريبة، وأرى أن كلما لا يمكن فعله أمام ١٠ رجال في مجلس، لا يمكن أن أفعله أمام كاميرا وأنشره على يوتيوب.
طبعا المسافة بين المحتوى الذي لا يمس الكرامة والمحتوى الخوارزمي بعيدة جدا، أعي ذلك، ولا أقول أن كل من اهتم بالخوارزمية صار كمن يصور وهو منبطح على الأرض ينظر إلى كاميرا معلقة، ولكنني أفضل البقاء على الطرف الآخر البعيد عن كل ذلك.
المتأمل في يوتيوب، يرى قنوات كثيرة لا تهتم لكل هذه التعليمات، قنوات يتحدث فيها شخص واحد أمام كاميرا، بلا بهرجة ولا هوكات ولا فعاليات، حتى بلا مونتاج، حديث إنساني واحد مطول، يجلب الانتباه لقيمة ما فيه، لا لمحاولته فرض الانتباه قسرا على دماغ عفن.
تلهمني هذه القنوات، وأحاول أن أكون قريبا منها.
قناة المهاجر
رجل مصري مغترب لا يكلف نفسه عناء قص أول ثانية من المقطع عندما يشغل الكاميرا. ولما يحتاج إضافات مرئية لشرح فكرته، يطبع أوراقا ويشرح عليها، ضاربا بعرض الحائط كل التعليمات.

قناة رائد
يجلس مجلس “القيمر”، يتحدث عن مواضيع شتى، ويرسم على شاشة، ضاربا بعرض الحائط كل مصممي القرافيك والموشن والفعاليات.

قناة عبدالله النقيدان
، رجل أفنى عمره في أروقة الشركات الاستشارية، لديه خبرة عملية كبيرة، يتحدث عنها في منزله، ويصور بآيفون، بجودة رديئة جدا -آسف عبدالله- لكن لا يهم! المحتوى قيم جدا.

هذه القنوات تلهمني، تسير عكس التيار الخوارزمي الجارف، ويقول الناس كلمتهم: نعم! نريد هذا المحتوى، لا بهرجة في التصوير، ولا عبادة لتعليمات الخوارزمية.
ولكن بهرجت قليلا.
لأنني أعمل في مجال الإنتاج، ولأن عندي مهارات عديدة اكتسبتها مع السنين، أردت أن تكون عودتي فخمة، وأنا أعرف يقينا أن جودة التصوير والمونتاج لا تهم أحدا، ولكنها حبة في رأسي أردت طحنها، دودة في.. في رأسي أيضا، تقول لي: أخرج أفضل ما لديك.
يعجبني شعار قناة أثير “ملء السمع والبصر”، وأريد أن يكون عملي ملء السمع بقيمة مافيه، وملء البصر بجماله الفني.
أحب التفنن في التصوير وإخراج صورة سينمائية فاخرة، وأحب التفنن في المونتاج وشكل الصور والنصوص الظاهرة للعين، وأحب الكتابة، فكل مافي القناة مكتوب أولا، ثم ملقي.
فإن خرج المقطع في يوتيوب مكتوبا بإتقان، وملقى جيدا، ومعروضا بشكل يسر العين، فهذه غاية ما أريد.
ولكن ثمن هذه البهرجة غال جدا، فالمقطع الواحد يكلفني أكثر من ٢٠ ساعة عمل أحيانا.
لذا، جربت في المقطع الأخير <دليل كلود للمبتدئين> أن أصل لأدنى جودة مقبولة عندي، وأتخفف من البهرجة إلى حد الصفر، وكانت النتيجة: لا أحد يهتم.
الآن لا أعرف كيف سيكون القادم، هل سأبهرج مرة وأتخفف مرة؟ هل أوزع البهرجة على السلاسل؟ فيكون بعضها فنيا جدا وبعضها مباشر؟ لا أعرف.
فأنا الآن، أجرب
أجرب كل شيء، أجرب أنواع المحتوى المختلفة، وطريقة العمل والإنتاج، وأترك لنفسي مساحة واسعة في التجربة، ففي نهاية الأمر: المشروع مستقل تماما عن كل ضغط، لا إدارة ولا فريق ولا معلنين، وهذه لعمري الحرية المطلقة.
حتى مواعيد النشر الثابتة، القانون المعروف الثابت في صناعة المحتوى: طز فيه.
سأنشر متى ما أردت، كيفما أردت، ما أردت.
فكان ماذا؟ مشاهدات أقل؟
طز في المشاهدات. متى كانت ألف نفسٍ تراك قليلة؟ ومتى كانت عشرة آلاف قليلة؟ وما الفائدة من ملاحقة الأرقام إن كانت ستجعلني أغير طريقي وطريقتي؟ ومن قال إنّ هذه الطريقة عكس الأرقام أصلا؟ ربما تكون عكس الأرقام الباهتة، المتابعون المارون عليك مرورًا، ساقتهم الخوارزمية إليك سَوقاً، لأنك تعطيها “وقت مشاهدة” جيد، فتضع فيه إعلاناتها مسرورة.
ولكن الثمين حقا، بضعة آلاف مخلصون، محبون، متشوقون لكل جديد، تشعر بهم يحبونك، ويشعرون بك تصدق معهم.
وإن زادت الأرقام هكذا، فيا أهلا، وإن لم تزد، فمتى كان ألف محب صادق قليلاً؟!
ولكن، جاءت مئة ألف عين، منها المحبة ومنها المطّلعة ومنهم المسوقة من الخوارزمية، ومنها غير ذلك.
“عودتك تلهمني”
أَحبُّ تعليق على قلبي، وإن كنت أحذفه من يوتيوب كثيرا، لأنه يكون مصحوبا بما لا أود إبقاءه.
ولكنه شرف كبير ومصدر سعادة، أن يرى الناس في عملي حافزا لهم، وفي عودتي مصدر إلهام وفأل خير.
هذه اللحظة جميلة في حياتي، وأحببت مشاركتها معكم، تابعوا القناة أو لا تتابعوا، انشروا أو لا تنشروا، سيستمر هذا المشروع بإذن الله حتى أجله. جعل الله أجله مديدا وأثره مفيدا، وجمّله في عين الرائي وأذن السامع، وأبقى أثره في نفوس وحياة متابعيه.


























