التصنيف: المدونة

  • من صفر إلى مئة ألف

    من صفر إلى مئة ألف

    العودة العودة، ما أجمل العودة وقصص العودة.
    عدت إلى ملعبي الذي أحب، لساني الذي أحكي به، وجهي الذي أواجه به العالم، أنا.. عدت أنا.

    أزحت عن قلبي هم الخوف من العودة، طريقها وطريقتها، ونشرت أول مقطع في قناتي، والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس، وكنت أؤخر كتابة هذه التدوينة، حتى لا يكون احتفالا عاجلا، لكنني اليوم أحتفل بإنتاج ستة مقاطع، وبمئة ألف مشاهدة بعد الصفر الجديد، مئة ألف فَوقْ، بعد صفر عميق جداً تحت.

    الحمد لله، راضٍ جدا عما أقدم، والناس راضية وسعيدة، وتبعث فيها الأملُ عودتي.

    لا يستطيع البلبل تبرير رغبته الجامحة بالتغريد، ولا صانع المحتوى. هو شيء أصيل فيه، إذا لم يعمله يموت، يموت من داخله، ويبقى بلبلا بلا تغريد ولا صوت. وتصير الحياة باهتة، ويستمر في أداء واجباته اليومية منهزما. لأنه بلبلٌ ويحب التغريد، ولا يقوى العيش وإن أكل وشرب وطار، إلا لما يغرد.

    أنا أحب التغريد، أحب الحكاية، أحب التفاعل مع الناس، أحب لما يقولون: جميل يا حاتم، أثرت بي يا حاتم، نفعتني ياحاتم، حتى: “هههههههه” أحبها، وأعود لها مرات ومرات أقرأها، أضحكتُ شخصا: يا لجمال اللحظة.

    والآن عدت، وعاد لي صوتي وتغريدي. عدت أنا كما أحب، وبطريقة جديدة وغريبة. لكنها ليست المرة الأولى التي أغير فيها نغمتي، فأنا كثير، والحياة كثيرة، ولا مبرر لأن يحبس البلبل نفسه في نغمة واحدة.

    وَعدتُ الناس وعودا ثلاثة، وسألتزم بها حتى نهاية هذه الجولة.. محتوى عربي، لا خوارزمي، مجاني.

    محتوى عربي

    في لقائي مع د. مختار الغوث في مربع، وهو المحامي عن اللغة العربية، قلت له قبل التصوير: نريد أن يكون اللقاء بسيطا وعاميا، ونريد أن نبسط لغته للناس.. فلم يعجبه كلامي فرد: لا أفعل ذلك، والعامة ليسوا جُهال حتى يبسط أحد لهم شيئا، نتحدث لغتنا ونرفع الناس لها، العامية للحياة اليومية، والفصحى للإعلام والناس.
    حينها قلت في نفسي: متخصص محبوس في مجاله، ولم يعجبني كلامه.. الآن تغير رأيي، كان د. مختار على حق.


    الإعلام يجب أن يكون فصيحا، لأنها اللغة المرجعية، ولأنه متجاوزٌ مكانه ومحيطه العامي الضيق، ولأن الفصحى جميلة.
    قررت أن يكون كل ما في القناة فصيحا، وهذا تحدٍ صعب، ولكن واجبي أن “أرفع نفسي” له.
    لم يعجب القرار كثيرا من الناس، لا سيّما أصدقائي، ربما لأنهم تعودوا سماعي يوميا بالعامية -وأنا كثير الثرثرة-، فرأوا على الشاشة شخصا آخر.

    وللبعض الآخر اعتراضات من قبيل “لا تتكلف”.
    أما على الضفة الأخرى، أُعجب كثيرون بالقرار، لأسباب شتى.
    ولكن أكثر ما استوقفني هذا الرد على يوتيوب:

    وهذا لعمري سبب كاف للاستمرار، أن يكون عملي للجميع، حتى هذه الفئة التي لا تمر على بال.
    الأخبار فصيحة، التعليق على كرة القدم أكثره فصيح، برامج الأطفال فصيحة، فلمَ يكون “تكلفا” أن يكون محتوى يوتيوب فصيحا؟

    محتوى لا خوارزمي

    يعرف الجميع أن الخوارزميات أفسدت عقول الناس، ونكافح جميعًا أثرها العفن على أدمغتنا ومعرفتنا ومشاعرنا، ولكن كلما بدأ صانع محتوى في التفكير بمحتواه، يبدأ بالتفكير بالهوك والمدة الصحيحة ووقت النشر الصحيح، وعدد تغيير الزوايا والإضافات الصوتية والمرئية التي تحافظ على “مدة المشاهدة”. مدة المشاهدة صارت معبودا بغير حق، يريد الكل الحفاظ عليها بشتى الطرق الرخيصة، ولو على حساب الجودة وأحيانا الكرامة.
    أستغرب من قيام الصناع بتصوير أنفسهم من زوايا غريبة، وفي وضعيات غريبة، وأرى أن كلما لا يمكن فعله أمام ١٠ رجال في مجلس، لا يمكن أن أفعله أمام كاميرا وأنشره على يوتيوب.
    طبعا المسافة بين المحتوى الذي لا يمس الكرامة والمحتوى الخوارزمي بعيدة جدا، أعي ذلك، ولا أقول أن كل من اهتم بالخوارزمية صار كمن يصور وهو منبطح على الأرض ينظر إلى كاميرا معلقة، ولكنني أفضل البقاء على الطرف الآخر البعيد عن كل ذلك. 

    المتأمل في يوتيوب، يرى قنوات كثيرة لا تهتم لكل هذه التعليمات، قنوات يتحدث فيها شخص واحد أمام كاميرا، بلا بهرجة ولا هوكات ولا فعاليات، حتى بلا مونتاج، حديث إنساني واحد مطول، يجلب الانتباه لقيمة ما فيه، لا لمحاولته فرض الانتباه قسرا على دماغ عفن.
    تلهمني هذه القنوات، وأحاول أن أكون قريبا منها.

    قناة المهاجر

    رجل مصري مغترب لا يكلف نفسه عناء قص أول ثانية من المقطع عندما يشغل الكاميرا. ولما يحتاج إضافات مرئية لشرح فكرته، يطبع أوراقا ويشرح عليها، ضاربا بعرض الحائط كل التعليمات.

    قناة رائد

    يجلس مجلس “القيمر”، يتحدث عن مواضيع شتى، ويرسم على شاشة، ضاربا بعرض الحائط كل مصممي القرافيك والموشن والفعاليات.

    قناة عبدالله النقيدان

    ، رجل أفنى عمره في أروقة الشركات الاستشارية، لديه خبرة عملية كبيرة، يتحدث عنها في منزله، ويصور بآيفون، بجودة رديئة جدا -آسف عبدالله- لكن لا يهم! المحتوى قيم جدا.

    هذه القنوات تلهمني، تسير عكس التيار الخوارزمي الجارف، ويقول الناس كلمتهم: نعم! نريد هذا المحتوى، لا بهرجة في التصوير، ولا عبادة لتعليمات الخوارزمية.

    ولكن بهرجت قليلا.

    لأنني أعمل في مجال الإنتاج، ولأن عندي مهارات عديدة اكتسبتها مع السنين، أردت أن تكون عودتي فخمة، وأنا أعرف يقينا أن جودة التصوير والمونتاج لا تهم أحدا، ولكنها حبة في رأسي أردت طحنها، دودة في.. في رأسي أيضا، تقول لي: أخرج أفضل ما لديك.
    يعجبني شعار قناة أثير “ملء السمع والبصر”، وأريد أن يكون عملي ملء السمع بقيمة مافيه، وملء البصر بجماله الفني.

    أحب التفنن في التصوير وإخراج صورة سينمائية فاخرة، وأحب التفنن في المونتاج وشكل الصور والنصوص الظاهرة للعين، وأحب الكتابة، فكل مافي القناة مكتوب أولا، ثم ملقي.

    فإن خرج المقطع في يوتيوب مكتوبا بإتقان، وملقى جيدا، ومعروضا بشكل يسر العين، فهذه غاية ما أريد. 

    ولكن ثمن هذه البهرجة غال جدا، فالمقطع الواحد يكلفني أكثر من ٢٠ ساعة عمل أحيانا.
    لذا، جربت في المقطع الأخير <دليل كلود للمبتدئين> أن أصل لأدنى جودة مقبولة عندي، وأتخفف من البهرجة إلى حد الصفر، وكانت النتيجة: لا أحد يهتم.

    الآن لا أعرف كيف سيكون القادم، هل سأبهرج مرة وأتخفف مرة؟ هل أوزع البهرجة على السلاسل؟ فيكون بعضها فنيا جدا وبعضها مباشر؟ لا أعرف.

    فأنا الآن، أجرب

    أجرب كل شيء، أجرب أنواع المحتوى المختلفة، وطريقة العمل والإنتاج، وأترك لنفسي مساحة واسعة في التجربة، ففي نهاية الأمر: المشروع مستقل تماما عن كل ضغط، لا إدارة ولا فريق ولا معلنين، وهذه لعمري الحرية المطلقة.

    حتى مواعيد النشر الثابتة، القانون المعروف الثابت في صناعة المحتوى: طز فيه.
    سأنشر متى ما أردت، كيفما أردت، ما أردت. 

    فكان ماذا؟ مشاهدات أقل؟

    طز في المشاهدات. متى كانت ألف نفسٍ تراك قليلة؟ ومتى كانت عشرة آلاف قليلة؟ وما الفائدة من ملاحقة الأرقام إن كانت ستجعلني أغير طريقي وطريقتي؟ ومن قال إنّ هذه الطريقة عكس الأرقام أصلا؟ ربما تكون عكس الأرقام الباهتة، المتابعون المارون عليك مرورًا، ساقتهم الخوارزمية إليك سَوقاً، لأنك تعطيها “وقت مشاهدة” جيد، فتضع فيه إعلاناتها مسرورة.
    ولكن الثمين حقا، بضعة آلاف مخلصون، محبون، متشوقون لكل جديد، تشعر بهم يحبونك، ويشعرون بك تصدق معهم.
    وإن زادت الأرقام هكذا، فيا أهلا، وإن لم تزد، فمتى كان ألف محب صادق قليلاً؟!

    ولكن، جاءت مئة ألف عين، منها المحبة ومنها المطّلعة ومنهم المسوقة من الخوارزمية، ومنها غير ذلك.

    “عودتك تلهمني”

    أَحبُّ تعليق على قلبي، وإن كنت أحذفه من يوتيوب كثيرا، لأنه يكون مصحوبا بما لا أود إبقاءه.
    ولكنه شرف كبير ومصدر سعادة، أن يرى الناس في عملي حافزا لهم، وفي عودتي مصدر إلهام وفأل خير.

    هذه اللحظة جميلة في حياتي، وأحببت مشاركتها معكم، تابعوا القناة أو لا تتابعوا، انشروا أو لا تنشروا، سيستمر هذا المشروع بإذن الله حتى أجله. جعل الله أجله مديدا وأثره مفيدا، وجمّله في عين الرائي وأذن السامع، وأبقى أثره في نفوس وحياة متابعيه.

  • أنا راضٍ وسعيد

    أنا راضٍ وسعيد

    قبل أشهر كتبت “أنا محبط وحزين” لعلمي أن هذه التدوينة قادمة لا محالة

    مع عودتي إلى عالم التصوير ، أراجع باستمرار كيف تكون الصورة جميلة، وأطور من نفسي كمصور.

    فعناصر الصورة الجميلة إضاءة جيدة، وتكوين جيد. والإضاءة الجيدة تعني التباين بين النور والظل، فالصورة التي كلها نور ولا تباين فيها تسمى “مسطحة” بلا ملامح، على عكس الصورة الجميلة التي فيها مزيج جميل من النور والظل.

    يتحرى المصورون ساعات الصباح الباكر وقبيل الغروب، لأن الشمس لا تكون عمودية فتحرم صورهم جمال امتزاج النور بالظل.

    وفي الإضاءات الداخلية، يجتهدون أيما اجتهاد في توزيع الإضاءات بزوايا خاصة تمنح الوجوه إنارة من جهة، وظلالًا من الجهة الأخرى فجمال النور لا تظهره إلا الظلال.

    قبل سنتين، كانت حياتي مليئة بالنور، مسطحة لا ملامح فيها. ثم جاءت الظلال، الكثير من الظلال، وصارت الصورة معتمة كثيرا، وشيئا فشيئا، وبعد محاولات كثيرة لضبط أدواتي للوصول لصورة جميلة فيها الظل والنور، وجدتها.

    صارت حياتي جميلة بعد أن خفت أن لا تكون أبدًا، ووجدت بحمدالله حلولًا لكل المشكلات الجديدة، واليوم أنا بخير، وصورتي جميلة.

    قبل أربعة أشهر، نشرت تدوينة عنوانها “أنا محبط وحزين”. وبالرغم من أنني لا أحب الشكوى لاسيما على الملأ، إلا أنني نشرتها لعلمي أن يوما كاليوم سيأتي، ولن أكون محبطا ولا حزينا، وسأكتب لكم، أنني بخير.

    الأشهر الماضية كانت مليئة بالقراءة، والحركة، والحب، وكيف لا يتعافى من يقرأ ويتحرك ويحب؟


    القراءة

    أيام مربع، كان يشغل بالي كثيرا أن شخصًا لا يقرأ، يصنع الثقافة. كنت أعترف لنفسي باستمرار أن جل ما عندي ثقافة سطحية من هنا وهناك، كنت أسميها “ثقافة العناوين”. فالزمن لم يَجُد علي بالقراءة المبكرة، ولا تأسستُ على علمٍ منهجي، ولا أذكر أنني قرأت في حياتي إلا كتب قليلة مشهورة. تكونت ثقافتي السطحية من تويتر ويوتيوب وبعض المحاضرات المتفرقة هنا وهناك.

    كنت أعرف أن هذا نقص كبير فيّ، وأن من واجبي تجاه نفسي وتجاه دوري كصانع للثقافة ومؤثر، أن أهتم أكثر بأمهات الكتب، والعلم المنهجي، وتقويم لغتي العربية.

    هذه الشهور بدأتُ المشروع أخيرا، مشروع رفع الجهل عن نفسي وتقويم لغتي وزيادة قراءاتي، واستشرت الصديق ماجد الأهدل، فدلني على أكاديمية الشنقيطي فوجدت فيها كنوزا ثمينة من محاضرات وشروح وسلاسل مصورة. وفي كتب السير وجدت جمالًا لغويا أخّاذًا، وجولانا في حياة العظماء يشغل فضولي ويسليني.

    سمعت “شرح ديوان الحماسة لأبي تمام”، فامتلأتُ حماسةً وفخرًا وأصالة.

    ثم قرأت الأيام لطه حسين، وطربت من لغته البديعة، وعشت معه فصول أيامه العجيبة. ولما فرغت منه أكملتُ قصته من زاوية أخرى، فقرأت “معك” لزوجته سوزان، واكتملت بذلك صورة حياته عندي.

    ثم مررت على العقاد وقرأت سيرته “أنا”، وشعرت أن شخصيته أقرب لي من طه، مع أن طه عذب والعقاد صلب. ولكن لغته المنطقية، وحكمته البليغة، وشخصيته العنيدة، أعجبتني ووجدت فيها نفسي.

    ثم قرأت نوفيلا موت إيفان إيليتش لـ تولستوي، وتأكدت أن لا شيء يستحق أن تعيش حياة لا تشبهك، وعزمت على ما أخطط له من مضيّ.

    أما كتاب “شجاعة أن تكون غير محبوب” فقد جرني إليه اقتباس مذهل سمعته في مقطع يوتيوبي انقليزي، يقول “من يستمد من معاناته شعورًا بأهميته، سيظل دوما متمسكا بهذه المعاناة”، فقرأته بلغته الأصلية الانقليزية مرة، ومترجما بالعربية مرة، ووجدت في هذا الكتاب علاجا نفسيًا عظيمًا، ومواجهة صارمة مع النفس والمعاناة.

    أما هذه الأيام فأقرأ “حياتي” لأحمد أمين، وأبدأ بدايات متعثرة دروس شرح الآجرومية، عسى أن أصمل.

    أصبحت أقرأ يوميا بشكل تلقائي، وهذه معجزة لشخص لم يكن يومًا قارئًا.


    أحب الحركة، وإن كان من سرٍّ واحد للنجاح فهو الحركة.

    أحبها بجميع أشكالها، فإن كان العمل والإنتاج حركة، فالجسد يطلب الترحال والمغامرة والسرعة وأجد ذلك في السفر، والدباب، والدراجة.

    الأشهر الماضية صار الجو في جدة جميلا، وصرت أخرج بدراجتي مرات عديدة يوميا، إما وحيدا أو مع ملك في كرسيها الصغير خلفي.

    وإن لم تكن الدراجة، فالدباب. ففيه متعة لا يمكن وصفها لغير مجرب. انطلاقٌ مذهل، و لعب مع الخطر لذيذ، والكثير من الحريّة، وهو عندي صنفٌ من صنوف الفروسية.

    أما السفر فقد سافرت إلى بودابست مع حبيبتي وكانت رحلة جميلة.

    وأخطط الآن لرحلة أخرى للتزلج على جبال الثلج مع أصدقائي، كانت حلما تأجل عاما بعد عام، والآن يتحقق بإذن الله.


    الحب

    الحب دواء، ولما تظلم الصورة بالظلال، ينيرها الحب فتجمل. ومن نعم الله العظيمة عليّ، عائلة أحبها وتحبني.

    أمي وأبي وإخوتي، حبيبتي وبنتيّ. معهم أقضي جل وقتي وحياتي، ولأجلهم ما تبقّى.

    بعد ولادة بنتي يافا، اتسع قلبي لمكانها الجديد فيه، وخُلق في الحياة حبٌ جديد، وأعادت لنا دهشة الخَلق، وجمال الطفولة، ولمعة الأمل.

    ملَك كبرت بعد يافا أعوامًا عديدة، صارت في أعيننا كأنها بالغة عاقلة، وكِدنا أنا وحبيبتي أن نشعر بالجنون لولا أن رأينا في انستقرام مقطعا يتكلم عن الشعور ذاته، فعرفنا أنه مشهور.

    انستقرام! كدت أنسى!

    عُدت لشبكات التواصل من بوابة انستقرام، ما أجمله وما أجمل روّاده.

    ومن تجربة أولى سريعة، شعرت بالاطمئنان أنني ما زلت أملك لياقة المحتوى. فبالرغم من أنني جديد على تلك المنصة، ولا أعرف أدبياتها، إلا أنني أبدعت فيها، وحصدت تفاعلا واسعا جدا، ودوّنت تدوينات جميلة أنا سعيد بها.


    ولما توالت الأرقام تلو الأرقام، وبلغ حسابي مليون مشاهدة بين منشورات وستوريات، رضي كبريائي عني وقال: هامور وتبقى طول عمرك هامور.

    الأيام القادمة، أخطط لمحتوى على يوتيوب، أظنه سيكون عظيمًا.

    أما هذه الأيام، أنا راضٍ وسعيد.

  • ملَك، أختٌ كبيرة

    ملَك، أختٌ كبيرة

    فعالية ملك المفضلة، أطلع بالدراجة مع بابا

    في انتظار بنتي الثانية..

    هذه الأيام تتوقف الحياة في بيتنا الصغير، ترقبًا لقدوم بنتي الثانية، التي أصبح بينها وبين الحياة أيام معدودة بإذن الله.

    الولادة معجزة، و الأبناء أعظم إنجاز ينجزه المرء، ولو شق الجبال ووصل إلى المريخ وكتب أذكى نماذج الذكاء الاصطناعي، فلا شيء أعظم من الولادة، ولا شيء أعمق معنًى في حياة المرء من معنى العائلة والأبوّة.

    وإني لأزعم أنك لو سألت أثرى الأثرياء وأنجح الناجحين عن أهم شيء في حياتهم، فالجواب واحد: أبنائي.

    ولو سألتهم عن أشد ما ندموا عليه نهاية عمرهم، فالجواب واحدٌ أيضًا: التقصير معهم.

    فهاهو إيلون مسك لا يغني عنه ماله ولا ثراؤه ولا علمه عن الانكباب على الإنجاب (لديه ١٤ ابن) والاهتمام بالأطفال والدعوة للإنجاب وتكثير أمة العم سام، والتحذير من خطر الانحدار السكاني في الغرب.

    وهاهو سام التمن يصف لحظة ولادة طفله الأول، وكيف أنها جعلته يعيد النظر في أثر الذكاء الصناعي على البشرية. فالولادة كشفت له جوانب عن الحياة والإنسانية، كانت خافية عنه، لا يكشفها الذكاء ولا العبقرية ولا العلم، بل الولادة والولادة فقط.

    تصوير: ملك النجار

    إن لحظة الولادة هي ولادة للأبوين لا الطفل، تخرجهم من طورٍ إلى طور.. ومن حياةٍ إلى حياة.. فبعد الصرخة الأولى….

    فبعد الصرخة الأولى لا يعود شيءٌ كما كان، إلى الأبد.

    وكما تتفتح الحياة في وجه هذا المولود فجأة، يصبح الشاب أبًا، والبنت أمًا، فجأة.

    في لحظة واحدة مفاجئة، تنجلي أولويات ومعانٍ جديدة في حياة شابين كانا يعيشان لأجل أنفسهم، فصارا يعيشان لأجل هذا المولود.

    فجأة، سيعاد ترتيب كل الأولويات، وستنبثق معانٍ جديدة للحب والخوف في قلوب أبٍ وأم، كما ينبثق الهواء إلى صدر الطفل، والحليب من صدر أمه.

    هذه تجربةٌ لا يمكن وصفها

    إنما تتحصل بالتجربة والتجربة فقط.

    إنني لا أزال أذكر دهشتي الأولى لمّا سمعت صرخة بنتي ملك الأولى، واليوم أرى كيف أصحبتُ شخصًا مختلفًا، وصارت حياتي مختلفة. أصبحتُ أبًا قبل كل شيء، ثم في مرتبة أدنى من هذه المرتبة، تأتي أدواري وحياتي ومكتسباتي، مهما علا شأنها عندي وعند الناس.

    فملك هذه الصغيرة، إذا نلت منها الود فالكلّ هيّن والله، إذا لعبَت وضحكَت ترخص في عيني الدنيا بمن فيها سواها. وإن طلبَت فأعطيتها فرضيَت، فلا أحدٌ بعدها أرجو رضاه، وإن قالت: “بابا أنا مرة أحبك” نسيتُ كل أصناف الحب غيرها. وإن تكلمت بلسانها المتعثر، فديت بعثراتها بلاغة طه حسين والعقّاد والمنفلوطي.

    وأنا في حضرتها مهرجٌ سخيفٌ كثير الرقص والقفز، فخذي يا ملك وقاري وأطربي قلبي المتعب من وقاره.. بضحكتك الحرة.

    وملك يعجبها اللحن في الكلام وتقليب حروف الكلمات ومدها، وهي تعرف الكلام الصحيح، لكنها تحب تخريبه عمدًا مازحة، ففداكِ يا بنتي اللغة وعلومها وعلماءها ونحوها وصرفها. فالبيان ضحكتك، والبلاغة فرحك، والشعرُ كل الشعر كلماتك المخربة.

    وهاهي أخت ملك تقترب من الحياة وتقترب منها الحياة. وتشوّقني إلى أطوارٍ جديدة من الأبوّة، فبيتنا الصغير يكبر، وهي مولودة بعد مولودة بينهما عمرٌ قصير، كيف يا تُرى ستستقبل ملك أختها؟

    وكيف سنقنعها أنها لا تستطيع حملها في حقيبة ظهرها والذهاب بها إلى البقالة، أو أن تتقاسم معها أكلها وشربها، أو أن تلعب معها ألعابها المفضلة في الأشهر الأولى. كيف سيكبران معًا يا ترى، وكيف سنكبر نحن معهم؟

    يا معجزة الخالق..

    يا آية الرحمن..

    يا درة قلبي..

    كلّي شوق للقائك، لتفتّح عينيك الجديدة في الوجود، لحركات أناملك الصغيرة العابثة، ليدك الصغيرة تقبض إصبعي كأنّما تقبض على العالم، لنموّك أمام عيني كما تُزهر الورود، لكلماتك الأولى وعثرات خطواتك.

    لكِ ولحياتك بيننا.. كلي شوق.

    جدة،

    بجانب أمٍ نائمة تتقلب وهي لا تدري بأي اتجاه تلقي ببطنها المثقل.

    الجمعة، 28 تشرين الثاني، 2025.

  • بعد عامين من رسائل السحب: إيداع!

    بعد عامين من رسائل السحب: إيداع!

    يوم تاريخي في مشوار حياتي..

    اشتقت لكم وللكتابة، فغيابي عن التدوين صاحبه غياب عن الكتابة اليومية التي اعتدتُ عليها، كنت مشغولًا ومنغمسًا جدًا، ولديّ اليوم أخبار جميلة الحمدلله.

    الآن، قبل دقائق معدودة، استملتُ أول حوالة مالية بعد قرابة العامين من توقف مصدر دخلي.

    عامان مضت والحساب مليء برسائل السحب ومنقطع عن رسائل الإيداع، عامان مضت ولم أكسب ريالًا جديدًا.

    أعي أن هذه بحد ذاتها معجزة أصلا، أن يكون لدي ما يكفي من المال لأعيش أنا أسرتي بلا دخل، وهذا بفضل الله ثم ما جمعته خلال سنوات عملي وتوفيق الله لي أن يسر لي الحصول على مال كاف، وأنني بفضل الله كنت أجمعه في محافظ استثمارية كانت السند بعد الله لي ولأسرتي في غيابي.

    ولكن المشي إلى الهاوية مخيف حتى وإن كنت في قمة، فالهاوية آتية لا محالة.

    مكتبي المنزلي، أحاول الجلوس فيه والتقليل من جلسات المقاهي، وأفشل.

    كما أن ظروفي الجديدة تجعل العمل بالنسبة لي تحديًا عظيمًا، فلا أحد سيوظفني بعد ما حدث، ولا أنا أريد أن أكون موظفًا أصلا. فالذي جرب الحياة خارج إطار الوظيفة لا يستطيع العودة إليها، ويصبح تحديه أن يجد بديلًا يمنحه وأسرته حياة كريمة.

    تركت عالم الوظيفة منذ سنوات، وقتها لم يكن لديّ دخل عال، وكانت مصروفاتي الشهرية قليلة جدًا، إيجاري السنوي ١٨ الف، ونمط حياتي مقتصد، ولكنني كنت أفضّل العيش المقتصد على أن أكون موظفا، وبمعجزة من معجزات الله وسع الله في رزقي وتمكنت من الخروج من عباءة الوظيفة والدوام للأبد إن شاء الله.

    قبل ١٠ أشهر لمّا خرجت، أصبح قرار الهرب من الوظيفة حتميًا، فحتى وإن كانت لدي فرص هنا أو هناك -وهو مالم أجربه- ستكون بمعايير جديدة لا أستطيع تحملها، فروحي لا تحتمل الاختباء وكبريائي يجرحهُ الهرب من الصور الجماعية.


    الفترة الماضية شغل بالي موضوعان: العمل، والعودة لصناعة المحتوى.

    كنت أنوي العمل على الموضوعين في آن، لكن صناعة المحتوى كانت ثقيلة على قلبي وصعبة، أولا لأن قلبي مثقل بغزة، وأستحي أن أتصدر المنصات لأتحدث عن أشياء عادية، وعندهم ما عندهم، وعندي ما عندي من قلة الحيلة وضآلة الكلمة. ووجدت في توقفي فرصة للانسحاب.

    كذلك يجب عليّ الاعتراف أن العودة صعبة وثقيلة، أولًا لأنني معتاد منذ سنوات على تويتر والبودكاست، ولا أريد العودة لأيّ منهم، والمنصات الأخرى جديدة وغريبة علي، وثانيا، يجب علي الاعتراف أمام نفسي وأمامكم، أنني خائف من ردود الفعل، وهذا خوف لا أعترف فيه عادةً، لكنني سمعت حلقة من برنامج د. محمد الحاجي في بودكاست آدم على ثمانية ❤️، وقرأت كتابًا عظيمًا، تكلما عن النقطة ذاتها: التسويف هو خوف من نتائج الخطوة القادمة، نسوّف لأن المعلوم مريح والمجهول مخيف، نسوّف ونضع أعذارا شكلية كثيرة، ولكن وراءها الخوف، الخوف فقط.

    أما وقد اعترفت بالخوف، أعود لأؤكد لنفسي ولكم، سأعود، بإذن الله.

    أيامي مليئة بالدراجة، ليل نهار


    أما العمل، وهو الشبح الأكبر والأهم، فقد خططت قبل أشهر لشكل يناسبني من العمل والكسب، وكانت رميةً من غير رامي، فكرةً جديدة، وفرضيات كثيرة من دراسة للسوق واستشارات الأصدقاء، وجدت ثغرةً يحتاجها السوق وأستطيع ملأها، وكانت الأشهر الماضية فترة بناء وعمل، واليوم بحمدالله: بِعتْ.

    الشهر الماضي بدأت العمليات والعمل، وكنت منغمسا بشكل كبير في تحديات إنشاء عمل جديد، وما يقتضيه من تصميم للتواصل والعمليات وإدارة العميل والفريق ووو، وكنت أتلذذ بكل تحدي كبير وصغير، لأنه عمل يجب أن ينجح، لا خيارات لديّ اليوم.

    الحمدلله، العمل ينجح يومًا بعد يوم، والعملاء يدفعون المال وهم سعداء، والفريق سعيد، وأنا راضٍ.

    اليوم يوم تاريخي بالنسبة لي، اليوم أتجاوز بفضل الله ثم فضل كل المحبين حولي والواثقين بي، عقبة عظيمة في مشوار حياتي.

    اليوم كسبت مالًا حلالًا، بطريقة مُرضية وكافية بالنسبة لي، بعملٍ يُناسب تطلعاتي وطموحاتي، وبعرق الجبين.

    اليوم أم ملك سعيدة،. تريدنا أن نحتفل ونسافر فورًا…في النشرة القادمة: كيف اختفى الريال الحلال مع بنت الحلال.

  • ٣٠

    ٣٠

    اليوم أتممت عامي الثلاثين.. أقول لنفسي: تبًا لك ياشيخ

    اليوم وأنا أنظر إلى عينيّ الثلاثينية في المرآة، تذكرت أبيات فيصل آل جبعاء، يقول:


    هُجّرنا يافيصل قسرا من أرض الشباب، مبكرا جدا ياصديقي، وخُلعنا بلا رحمة من عرش الطفولة.. ما أجمل عرش الطفولة يافيصل، ما أسهله.

    تلقينا الصفعات تباعًا، ودفنّاها بكبرياء تحت بسمتنا الخجولة، حتى ظن الناس أن يد الحياة لم تطل وجوهنا الباسمة.

    والآن بوجوهنا الغريبة، نقف معلقين بين المراحل والفصول، نقلّب في صفحات الماضي حسنه وسيئه، نحاول تغليب الصفحات البيضاء على السوداء، نحاول أن نرى النور في العتمة، لننظر به إلى المستقبل.

    أبشر ياسعد، سنختار أن نمشي إلى المستقبل بإيمان، لأنه الخيار المنطقي الوحيد. ولأن أحداث الزمن حتميّة، سنختار على الأقل.. أن نمشي لها بإيمان، أن ننزل من أعالي آمالنا العظيمة، إلى قيعان إنسانيتنا البسيطة.. ونمشي بإيمان.

    كم عشتُ وكم رأيت وكم جربت في هذه الثلاثين، ما أوسع الحياة لما تتسع، وما أضيقها لما تضيق.. ما أجملها في الربيع وما أتعسها في الصيف.

    كل عام تمرّ ذكرى الميلاد على حال، فالعام الماضي كان الأسوأ بلاشك، وهذه السنة بين بين، والقادم أجمل باذن الله.

    بعيدًا عن الدراما، سأحاول النظر من بعيد إلى يومي هذا المتمم لعامي الثلاثين، وأخفف عن نفسي الآلام الجديدة، بتذكر النعم القديمة. في عمر حافل بالإنجاز والتجارب والنجاحات والفشل، الكثير الكثير من الحركة، الكثير من نعم الله العظيمة، والكثير من الفعاليات.


    بنيت نفسي من الصفر! بعد الألف

    لو سُئلت قبل خمس أعوام عن طفولتي وحظوظي من المستوى المعيشي لعائلتي، لقُلت أنها عادية، وأن أي نجاح حققته ليس مرتبطا بأي أفضال من أهلي عليّ، أو من ظروف حياتي في سنواتي الأولى.

    كنت أرى أنني -بدأت من الصفر- كما يقولون، لأن أبي لم يعطني مالا أبدأ فيه حياتي العملية، ولم يدعمني أحد بـ”واسطة” لأصل إلى مكان، وكانت كثير من الظروف ضدي لأني مقيم ولا أحمل الجنسية. كل نجاحاتي حقتها بنفسي، كل أموالي جمعتها بنفسي، كل شبكة معارفي بنيتها بنفسي -أو كما ظننت جاهلا-.

    لمّا كبرت، اكتشفت أن الصفر الذي انطلقت منه كان ألفًا، لم يكن صفرًا.. فأبي الأكاديمي في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، جعل نشأتي في بيئة تعليمية عالية، وجعل محيطي الاجتماعي في أول ٢٠ سنة من عمري محيطا متعلما وراقيا جدا، مما عزلني عن كثير من جوانب الحياة المظلمة التي لم أكن أعرفها أصلا. أبي المستقر ماليًا لم يجعلني أفكر يوما بالعوز والحاجة، استطعت أن أتفرغ لكثير من الأفكار والآمال، لأن “أمي وأبوي جائعون اليوم، يجب أن أطعمهم” لم تكن فكرة تشغل بالي.

    أو “ثلاجتنا فارغة يا حاتم” أو “لن نأكل الدجاج أو اللحم هذا الشهر” أو “سنضطر للخروج من هذا المنزل وسنغير مدرستك لأننا لا نستطيع دفع الإيجار” أو أو أو، كثير من الظروف المعيشية التي لم أعشها، أبعدتني كثيرا عن الصفر، لكنني لم أفطن لذلك، لأنني لم أكن أعرف ماهو الصفر أصلا.

    أمي وأبي كانا في بيت واحد، يحترم كلٌّ منهم الآخر، لم أرى أبي يضرب أمي، ولا أمي تشتمه أو لا تحترمه، كم أبعدني هذا عن الصفر عاطفيا ونفسيا؟ كيف جعلتني علاقتهم المستقرة إنسانا مستقرا مع نفسي ومع مجتمعي ومع زوجتي لاحقا؟ كم أنا بعيد عن الصفر، وكم أنا أحمق لما تجاهلت أثر كل تلك النعم على حياتي.

    بسبب نعم الله تلك، كنت قادرا على تعلم مهارات عديدة وممارسة هوايات مختلفة. كم هو بعيد عن الصفر أن تمارس هواية. أن تجد الوقت والمال والاستقرار النفسي والصفاء الذهني أن تكون لك هواية، أن تجد مالا لشراء كاميرا، أو ألوان، أو جوال به انترنت، أو أن تكون قادرا على التنقل بحرية والذهاب إلى فعاليات تطوعية، أن تعرف اللغة الانقليزية لتتعلم وتتطور.

    كل تلك المراحل التي صنعتني، كنت أراها من زاوية ضيقة حمقاء، أنا الذي تعلمت التصوير، وطورت نفسي، وشاركت في فرق تطوعية وبدأ الناس يعرفونني. أنا الذي قدمت دورات في التصوير وعمري ١٧، واستلمت بنفسي أول راتب لي، أنا الذي جمعت مالي، أنا الذي صنعت اسمي، أنا الذي كتبت في تويتر وأصبحت مشهورا، أنا الذي بدأت مربع وحدي..أنا أنا أنا، تبا لك ياشيخ.

    أمي كانت حريصة دوما على الأنشطة غير الصفية، كانت تتابع شخصيا تطوري في المدرسة، تتواصل مع مدير المدرسة -رحمه الله- بشكل مستمر، تسجلني رغما عني في كل المسابقات والأنشطة والفعاليات، تزود في شنطة الأكل عصيرا وشطيرة لأنني لن أعود مبكرا، تخطط وتراقب وتعمل، ثم بعد كل تلك السنوات: أنا صنعت نفسي وشاركت في أنشطة اجتماعية كثيرة وصرت شخصا اجتماعيا، تبا لك ياشيخ.

    مدرستي -مدارس الجامعة- كانت أقوى مدرسة أهلية في المملكة العربية السعودية، وكنا المركز الأول في درجات القدرات والتحصيلي، كانوا يضيفون حصص للمواد العلمية أكثر مما تطلبه الوزارة، ويرفضون الطلاب الفاشلين حتى وإن دفعوا الأموال، وكان المدير -أحمد الرتوعي- رحمه الله، مربيا فاضلا حريصا علينا فردا فردا، كان يقف بعد صلاة الظهر أمام الطلاب كلهم، ويقول أننا لن نرضى بالنزول من المركز الأول على مستوى المملكة، وأن أي طالب مستهتر، لن يكمل معنا السنة القادمة، وأن قائمة الانتظار طويلة، لن نجامل أحدًا. ثم آتي بعد سنوات، وأتفاخر بدرجاتي العالية في اختبار القدرات، لأنني “أنا” جبت ٩٢ في اختبار القدرات، تبا لك ياشيخ.

    ولما قررت الخروج من الجامعة وعمري ٢٠، أتيت إلى جدة وحدي، ولم يكن معي إلا ما يكفي الأكل والشرب لأيام معدودة، اتصلت ببعض الأصدقاء ووجدت وظيفة خلال أيام، مع أنني بلا شهادة ولا خبرة، ولكن كانت خبرتي -تويتر- وكان صديقي عمار يبدأ شركة جديدة في التسويق الرقمي، ويحتاج خبراء في تويتر! فوجدت وظيفة -مع أن راتبي كان ٣ آلاف ريال- لكنها كانت بداية.

    حسنًا، بدأ كبريائي ينزعج من كثرة شكر الآخرين، آسف يا كبريائي وآسف يا نفسي، صحيح أنك اجتهدتِ وحاولتِ وتحملتِ أياما صعبة ومصائر مجهولة، لكن اليوم ليس لك.. اليوم للآخرين.


    الحمدلله لله على حياتي العظيمة، شكرا لأمي وأبي على كل درجة رفعوني فيها عن الصفر، لأنطلق بحياتي بعدها من مكان عال جدًا.

    شكرا لمدارس الجامعة، لكل مدرّسة درستني في الحضانة والصفوف الأولية، وكل مدرّس مخلص، وإداري عمل في الخفاء بذمة وضمير، فانعكس ذلك عليّ وأنا لا أدري.

    شكرا للتحفيظ ومدرسيه الذين احتووني وملأوا فراغات كان ممكنا أن تذهب في ظلامات أصدقاء السوء والمخدرات.

    شكرا لتميم البرغوثي لأنه كان بوابتي إلى الشعر وجماله، وأصبحت بعده أكتب الشعر وأشاركه.

    شكرا لكل من تابعني في “فلكر” بداية اهتمامي بالتصوير، كانت أول مرة أتلقى كلمات الإعجاب والدعم.

    شكرا لموهبة ٢٠١١، وكل القائمين على موهبة، كانت أول مرة أعمل فيها وأكسب المال الحلال، وأنخرط في فريق كامل.

    شكرا لإثراء ٢٠١٢، كانت أول وظيفة كشخة لي، في برنامج صيفي كمدرب للتصوير، صقلت شخصيتي كثيرا ووسعت معارفي.

    شكرا لعبدالله الحواس وإسراء الغنيم أنهم أسسوا “كان ياما” ٢٠١٣، كانت أول تجربة لي في العمل التطوعي، صقلت شخصيتي كثيرا.

    شكرا عمار بن صديق، أنك أسست شركتك في سن مبكرة ومنحتني أول وظيفة رسمية حقيقية.

    شكرا فايا، وجاك و ميم عين، شركات ناشئة عملت بها ووثقوا بي.

    شكرا مربع، كل من استمع، وشارك، ودعم وساند، حتى أصبح واحدا من أكبر البرامج في العالم العربي.

    شكرا أفنان العصلاني وجوري جلال، على عملكم معي في مربع تطوعا لفترة، ولما انضممت لثمانية قلت “كنت لحالي ١٠٠٪” تبا لك ياشيخ.

    شكرا لكل من أعلن في مربع، صرتُ مليونيرًا لوهلة، واستقرت حياتي ماليا لأول مرة.

    شكرا ثمانية، وعبدالرحمن أبو مالح، للأبد. 🫶🏻

    شكرا عبدالكريم العدواني، كان مربع مع ثمانية الكثير منك والقليل مني.

    شكرا للسعودية، أمنها واستقرارها وأموالها التي منحتني حياة كريمة، مؤسساتها التي أعطت مربع بيئة للنمو، شعبها الغني بالقصص والعلم والثقافة الذي كانت وقود مربع.

    شكرا للمتابعين المخلصين في كل المنصات والأزمنة، والله حبكم ودعمكم ورسائلكم عزيزة على قلبي، وعمود أساسي في حياتي.

    شكرا لكل من نسيتهم، أو رفعوني عن الصفر وأنا لا أعلم.


    سأطوي الآن كل الصفحات، سأقفل الدفتر، وأفتح دفترًا جديدًا.

    أبدأه مشبعا بتجارب عظيمة، وخبرات متنوعة، وحكمةً لابأس بها.

    أبًا وزوجًا، رائد أعمال مستقر ماليا، أؤسس الآن شركة جديدة تمشي بخطى مبشرة بالخير، وأخطط لعودتي لعالم صناعة المحتوى، ومتفائل بعودة قوية بإذن الله برغم التحديات العظيمة.

    والخاتمة، لأم ملك.. حبيبة عمري ❤️

    أيا رفيقةَ دربي!.. لو لديّ سوى
    عمري.. لقلتُ: فدى عينيكِ أعماري
    أحببتني.. وشبابي في فتوّتهِ
    وما تغيّرتِ.. والأوجاعُ سُمّاري
    منحتني من كنوز الحُبّ.. أَنفَسها
    وكنتُ لولا نداكِ الجائعَ العاري
    ماذا أقولُ؟ وددتُ البحرَ قافيتي
    والغيم محبرتي.. والأفقَ أشعاري
    إنْ ساءلوكِ فقولي: كان يعشقني
    بكلِّ ما فيهِ من عُنفٍ.. وإصرارِ
    وكان يأوي إلى قلبي.. ويسكنه
    وكان يحمل في أضلاعهِ داري
    وإنْ مضيتُ.. فقولي: لم يكنْ بَطَلاً
    لكنه لم يقبّل جبهةَ العارِ

  • أنا محبط وحزين..

    اتفقنا أعطيكم أسراري.. اليوم النشرة فضفضة

    كتبتُ النشرة، وفكرت كثيرا “أنشر ولالا”، مع أنني لا أحب الفضفضة على الملأ، ولكنني سأنشر، أريد أن أوثق رحلة العودة كاملة. ولأنني واثق أن النهاية بإذن الله حتما ستكون سعيدة، لا بأس بمشاركة عثرات الطريق.


    هذه الأيام أمر بحالة من الإحباط والحزن، لا أعرف أهذا اضطراب ما بعد الصدمة الذي حُذرت منه، أم بسبب الفراغ، أم بسبب مواقف عدة محزنة حدثت لي في فترة وجيزة، مواقف تعيد لتذكرني بحياتي الجديدة الصعبة.

    الموقف الأول

    قبل عدة أسابيع، جاء إلى جدة أحد ضيوف مربع السابقين، وأكرمني بدعوة على العشاء مع عدد من الأصدقاء وضيوف مربع السابقين، كان لقاء طبيعيا وجميلا حتى قرر أحدهم توثيق هذه الأمسية اللطيفة، فتجمعوا جميعا على الكرسي المقابل لي، وطلبوا من أحدهم التقاط الصورة. لاحظتُ اجتماعهم في المكان البعيد عني وفهمت أنهم لا يريدون ظهوري معهم بالصورة، فانشغلت بجوالي للتخفيف من وطأة الموقف الصعب عليّ وعليهم، حتى قال أحدهم كاسرا الصمت “الله يالدنيا، الحين هو الي مطلعنا كلنا والحين خايفين نتصور معه”، أكملتُ انشغالي بالجوال بلا أي ردة فعل، حتى ظنوا جميعا أنني لم أسمع ما قال، ومضت الأمسية بسلام.

    الموقف الثاني

    جاءتني دعوة كريمة لمحاضرة عامة، وكانت أول دعوة عامة تأتيني بعدما حدث، فرحتُ واعتبرتها أول الخير، مع أنها فعالية صغيرة محدودة، حضرت وكنت سعيدا بالمحاضرة، لكنني حزنت كثيرا عندما رأيت الصور والمقاطع التي نُشرت بعد المحاضرة لتوثيقها، فقد كنت جالسا بالصف الأول، وكان بجانبي أكثر المتفاعلين والسائلين، وكان من المنطقي ظهوري في المقاطع عند نشرها، لكنني أُخفيت عمدًا، خوفا من ظهوري في حسابات منظمي الفعالية.

    الموقف الثالث

    خرجنا في عشاء مع بعض الزملاء، وكان أحدهم يريد إرسال صورة جماعية ظهرتُ فيها معهم لأحد أصدقائه، فأرسلها له في واتساب كرسالة مؤقتة.

    الموقف الرابع

    مقطع من مربع من لقاء قديم، صعد إلى الترند في تيك توك، لتمتلئ الردود بالشتائم وأمنيات الشر لي، بعد اختفائي من المشهد قرابة العامين، لازال الغلّ نشطا عند هؤلاء.

    الموقف الخامس

    ثمانية تتجلى في خطوتها الأخيرة العظيمة لنقل الدوري السعودي، والتعليقات عني لا تزال تلاحقهم، ولا يزال الناس يمنشنون أبومالح باسمي كفضيحة عليه، ولا يزالون يمنشنون ثمانية عني كذنب لن يطهره المطر عشرين عام.


    أكذب إن قلت أن كل هذا لا يؤثر فيّ، أكذب إن قلت أنني أستطيع منع نفسي من البحث باسمي كل فترة، أريد أن أرى التغريدات عني توقفت، أن الناس قد شبعوا كرها وحقدا. أكذب إن قلت أنني أفهم سبب كل هذا الغل والحقد والكره.

    كيف أصبحتُ فجأة عدوا لدودا لهؤلاء؟ كيف لا يطفى غضبهم علي ما حل بي وبحياتي وأهلي؟ كيف لا يزالون يذكرون اسمي أصلا بعد اختفائي كل هذا الوقت؟

    أما مشكلتي الكبرى: أنني مصرٌّ على العودة لصناعة المحتوى، أشعر أنه أمرٌ حتمي، أشعر أنه واجب تاريخي شخصي، أن لا تكون هذه نهايتي، وأخاف أن يكون قرارا خاطئا مدفوعا بالعناد فقط، لكن يستحيل أن تكون هذه النهاية، يستحيل أن أتنازل عن واحد من أجمل الأشياء في حياتي لأن أناسا قرروا فجأة أنني أصبحت شريرا.

    ليتهم يجلسون معي على كوب قهوة، يرونني على حقيقتي. ليتهم لم يُغفلوا عمدا مئات التغريدات التي كانت إيجابية في حق السعودية وشعبها وقادتها، ليتهم رأوا كيف كان مربع ينشر الإيجابية والمعرفة، وكله ضيوفٌ سعوديون، وكله حب للسعودية وأهلها، ليتهم يقتصون من مربع عشرات المرات التي كان المحتوى وطنيا جدا، ومن قلب بدون تزلف أو نفاق، ليتهم علموا أنني كنت في نفسي وبلا أي توجيه، أريد أن يكون مربع منسجما مع برنامج جودة الحياة من رؤية ٢٠٣٠، لأنني كنت مؤمنا فيه بشكل شخصي، وأريد أن يكون مربع متسقا وداعما لكثير من أهدافه.

    ولكنها محكمة الإنترنت، لا عدالة ولا استئناف ولا فرصة لأحد أن يبرئ نفسه من سيل التهم الذي سيلتصق باسمه إلى الأبد.

    هذه المواقف التي بدت وكأنها بوابة النجاة من النفي، أعادت لي النفي أكثر وأكثر.

    أما هؤلاء الأصدقاء إن كان أحدهم يقرأ: فوالله لا أكتب ما أكتب غضبا منك ولا عتبا عليك، بل أفهم تماما صعوبة الموقف، فقد أصبح وجهي تهمةً واسمي أصبح عبئا، أعرف والله.

    كثير علي كل هذا، ثقيل على قلبي والله.

    ولكن، لا مفر لي من هذه المرحلة الصعبة إلا أن أتجاوزها، أن أعود لنشاطي وأنشر المحتوى الذي أحب، أن أتحمل السب والشتم والحقد والغل حتى يمضي أو لا يمضي، أن أمسك نفسي عن أي تفاعل سلبي معهم، أن لا أنتقم من أحد، أن أستمر وأستمر وأستمر بصناعة محتوى هادف جميل، كالمحتوى الذي كنت أصنعه طوال هذه السنوات، أن لا أتغير، أن لا تجعلني الكراهية شريرا، أن لا تصبح هويتي، أن أتجاوز كل هذا وأمضي، مع أنه لن يمضي، سيظل يلحقني إلى الأبد، لكن هذه الطريق الوحيد لي حتى أقوم بواجبي تجاه نفسي، وهذه الخطوة الوحيدة التي ستجعلني راضيا عن نفسي بعد عشرات السنين، أنني ما انكفأت ولا انطفأت، أنني صملت.

  • تأبين المرحوم: مربع

    تأبين المرحوم: مربع

    أجّلت كتابة هذه التدوينة كثيرًا، خائف أن أرى “كان” بعد مربع

    أكثر سؤال طُرح عليّ هذه الفترة: هل سيعود مربع؟ والجواب المختصر: لا 💔.

    والجواب المطوّل.. في هذه التدوينة:

    بدأتُ مربع قبل هَبّة البودكاست بسنوات، واستمر أكثر من ٩٩٪ من برامج البودكاست التي تبدأ بحماسة وتنتهي بسرعة. استمر عندما لم يكن البودكاست مشهورًا، ولا يجلب المال، ولا يعرفه الملايين، في أيام وسنوات عجاف صعاب، وبجهد فردي. وكما يحدث في قصص المعجزات، أصبح واحدا من أكبر وأهم برامج البودكاست في العالم العربي وأكثرها مشاهدة. أصبح شيئا مهما جدا في حياتي، يعرفني الناس منه، ويجلب لي الكثير من المال، وأصبحت من المخضرمين في هذا المجال.

    ثم حدث ما حدث، وزلزلت الأرض من تحتي وتحت مربع، وجاءت المرحلة الحالية: أستطيع العودة إلى مربع، أستطيع العودة إلى عالم البودكاست، لا يوجد أي أسباب خارجية لعدم عودتي، الأمر متروك لي تماما، فهل أعود؟

    “عُمر المرء، مفترقات طرقه”

    وهذا مفترق طريق كبير لي ولتجربتي في البودكاست، فقراري اليوم قرار مصيري، وأنا بين خيارين:

    إما أن أعود، وأخاطر بعودة باهتة يفقد فيها مربع عفويته وحريته وانطلاقه.

    أو أن لا أعود، وأخاطر بتفويت فرصة عظيمة على نفسي، فأنا بنيته أيام ذل البودكاست، اليوم ونحن في أيام العز! ولم يبق إلا جدتي ما عندها بودكاست! وأنا مخضرم في هذا المجال! وهو شيء أثبت نجاحه! ويجلب أموالا ممتازة! وأتركه هكذا ببساطة!

    أستطيع تقسيم صناع المحتوى إلى نوعين، مُقاول وفنان.

    صانع المحتوى المقاول 🪜🛠️

    المقاول ينظر إلى صناعة المحتوى كمشروع، يحتاج خطة تأسيس وميزانية واستراتيجية وفريق عمل، وله أهداف محددة في المشاهدات والمال، ولديه أطماع واضحة ومنافسون يراقبهم ويريد تجاوزهم، هذا النوع للأسف هو الغالب، وهو في نظري من لا يقوى الصبر على مشقة الطريق وطول السفر، وقلة المشاهدات والمال سنين طويلة.

    كذلك، يستطيع الناس لمس قلة المصداقية في هذا النوع من المحتوى، فعدما تعتمد على المشاهير، وتبالغ في ردود الفعل، وتبحث عن اللقطة العاطفية والحماسية التي تجلب المشاهدات، يرى الناس ذلك فيك، ولا يُبنى لك عندهم شأن، أو كما يسمونه “هوية” ولا يتعاطفون معك ولا يحبون برنامجك كبرنامج، وهذا خطأ شائع عند صناع المحتوى المقاولين، الذين يعتمدون في برنامجهم على المشاهير واللقطات الترند، ويغفلون بناء هوية قوية للبرنامج، تصبح هي بذاتها ذات ثقل وأهمية.

    النوع الآخر الذي أزعم أنني منه:

    صانع المحتوى الفنان 🎨

    الفنان لا ينظر إلى زحام الأرقام، لا يبحث عن المشاهير، لا يبحث عن الترند، إنما هو فنان حقيقيّ صادق شفاف، يريد حقًا أن يصنع محتوى يحبه ويفخر به، يستحي أن يخرج من محتواه شيء لا يمثّله ولا يجمله قدام الرجاجيل.

    الفنان مستعد أن يمارس فنه حتى وإن كان فقيرا، حتى وإن قلت المشاهدات والمبيعات، حتى وإن مشى وحيدًا.

    أزعم أن هذا النوع من الصناع هم الوحيدون القادرون على النجاح على المدى البعيد، لأن المجال صعب جدا، ولن يصمد فيه إلا من يعمل كأنه يلعب، يعمل بحب وشغف وفن ورضى، مهما كانت المؤثرات الخارجية.

    هذا الصدق ينعكس على إنتاجه، فالناس تشعر به، تشعر أن هذا البرنامج يريد فعلا أن ينتج شيئا حقيقيا، يرتبطون معه بشدة ويثقون فيه، ويؤثر في حياتهم تأثيرا حقيقيا.

    مربع كان بالنسبة لي….

    عموما، مربع كان بالنسبة لي عملًا فنيًا، تجربة حقيقية للتعلم وملء فضولي الكبير تجاه الناس والعالم، كننا نحاول تفادي المشاهير، إلا مشهورًا لديه قصة حقيقية، لكن كقاعدة عامة: ممنوع المشاهير. ومما أفخر به، أن أعلى حلقات مربع مشاهدةً كان ضيوفها مغمورين، ومغمورين جدا في بعض الحالات.

    وهذه معجزة، أن يصبح البرنامج قادرا بذاته على الوصول لملايين المشاهدات، معتمدا على المحتوى الحقيقي والصادق، على قصة عظيمة فعلا، على ضيف لا يعرفه أحد، لكنه شخص عظيم ولديه قصة تستحق أن تُروى.

    وعندما أصبح معي في مربع فريق، كنا جميعا على نفس الصفحة، نتعامل مع مربع بنفس القداسة والحب، لا نتكلم عن الأرقام ولا الأموال، نفكر فقط في الحلقة القادمة، نريد ضيفا رائعا، من هو؟ وماهو الإعداد؟ ومتى التصوير.

    لذلك كله، لن يعود مربع.

    لأنه بالنسبة لي لم يكن مشروعا أريد أن أحلبه إلى آخر قطرة، لم يكن سُلّما أريده أن يوصلني إلى علاقات اجتماعية أو مكانة أو مال، كان تجربة إنسانية شفافة صادقة، وأخاف أن أعكر صفوها بعودة باهتة.

    ستكون عودة بحدود كثيرة جديدة، لا أستطيع تحملها ولا مربع.

    تعلم متى ترحل!

    ذلك اللاعب الذي كان يحبه الجميع، لكنه تأخر في قرار اعتزاله حتى كرهه الناس، أو ذلك البرنامج الذي استمر بعد أن فقد وهجه حتى أصبح باهتا، أو تلك العلاقة التي استمرت بعد كل المؤشرات الواضحة لضرورة التوقف، أشعر أن هذه لحظتي لأقوم بالقرار الصائب: أرحل عن مربع وعن البودكاست.

    وفي أدب الرحيل: النهايات الدرامية، ويالها من نهاية درامية غير متوقعة 😂.

    الرضى كنز، وأنا راضٍ عما قدمته في مربع، وسيبقى في المكتبة العربية إلى الأبد، وفي قلوب وحياة من أثر بهم ونفعهم، وفي حياة الضيوف الذين تغيرت حياة الكثيرين منهم بفضل الله، وفي تاريخي الشخصي، وكل هذه المكتسبات لا يضرها عدم الاستمرار.


    في هذا الفصل من فصول القصة، يبرز خوف جديد: ماذا لو كانت تلك هي قمتي، إلى الأبد.

    ماذا لو كان أي شيء سأنتجه لاحقا لن يبلغ مبلغَ مربع، ماذا لو كانت هذه أكثر أموال أكسبها في حياتي!

    وهو خوف مبرر وحقيقي، أعتقد أنه يدفع الناس الي اجترار تجاربهم الناجحة السابقة، ويطيل بقاءهم عندما يدق جرس الرحيل.

    لكنني لست خائفًا، أزعم أن أسباب نجاح مربع موجودة داخلي، أستطيع تكرار ذلك النجاح بطرق أخرى بإذن الله.

    أستطيع صناعة محتوى بشكل جديد ومنصات جديدة عليّ، وأوصل رسالتي وأؤثر في الناس وأنجح من جديد.

    أستطيع أن أجلب أموالًا أكثر، وأن أصنع قيمة جديدة مختلفة، وأستمر في النجاحات بإذن الله.

    فوداعا مربع 🫶🏻

    وداعا مجال البودكاست 🫶🏻

    وأهلًا بالقادم 🫶🏻🔥

  • سلسلة العودة الحاتمية: 1- جواب الأسئلة الكبرى

    سلسلة العودة الحاتمية: 1- جواب الأسئلة الكبرى

    سلسلة جديدة، خطوات رحلة العودة بالتفصيل

    كيف يعود إنسان من ظلام الكنسلة إلى نور الشهرة؟

    كيف يعمل ويكسب عيشه من أصبح الجميع يخاف من الاقتراب والارتباط به؟

    كيف ينهض من زُلزلت حياته بهذا الشكل فجأة؟

    أسئلة صعبة وثقيلة، لها أجوبة متنوعة يلقيها عليّ من هم حولي، فلكل واحد منهم طريقة. “لا تعد للشهرة أبدا”، “خلك لو بروفايل”، “افتح مشروع بعيد تماما عن هذا المجال”، “هاجر وابدأ حياة جديدة في مكان آخر”، انتحر وارتاح وريح 😂.

    أما أنا و بعد صفاء وتأمل واستشارات وتفكير، وجدت الجواب وقررت قراراتي المصيرية.

    لن أهاجر، لن أبدأ حياة جديدة في مكان آخر، لن أرضى بالاختفاء والتنازل عن واحد من أجمل التجارب في حياتي: صناعة المحتوى، ولن أبقى في الظل، وسأبدأ مشروعًا تجاريا وسيتعامل معي الناس، وسأعود لأنتج محتوى ويتابعني الناس، وستكون الأمور طيبة بإذن الله.

    1- لماذا قررت عدم الهجرة.

    2- لماذا قررت العودة لصناعة المحتوى.

    3- لماذا قررت إنشاء مشروع جديد، وماهو؟

    سأجيب في هذه التدوينة عن هذه الأسئلة، وستكون هذه أول تدوينة في سلسلة طويلة بإذن الله، توثّق رحلة عودتي بشكل مباشر وشفاف وصادق، فحياكم معي في هذه الرحلة العجيبة، عسى أن تكون النشرات تتجه لأخبار أفضل كل مرة.


    1- لماذا قررت عدم الهجرة.

    كفلسطيني مولود في السعودية لا يحمل جنسيتها، يبدو قرار الهجرة منطقيا للكثير من الناس، حتى قبل أن يحصل ما حصل، وهو موضوع متردد ومشهور عند هذه الفئة، وقد مر عليّ كثيرًا وفكرت فيه كثيرا. فعندما تركت الجامعة في ٢٠١٦، كان عمري ٢١ ولم أكن متزوجا، كانت فرصة ذهبية للهجرة وبدء حياة جديدة في مكان آخر، أو على الأقل السفر لسنوات معدودة والحصول على جنسية غربية ثم العودة، ولكنني حينها فكرت واستشرت وقررت عدم اتخاذ هذه الخطوة، إيمانا مني بأن العيش في هذه البلد الطيب قرار منطقي، حتى بظروفي كمقيم وما يعنيه من بعض المحدوديات في العمل والدراسة وكسب المال كعدم قدرتي على إنشاء شركة باسمي، وصعوبة كسب المال بشكل حر بدون وظيفة وكفيل.

    المواليد يشعرون أحيانا بالإقصاء والمظلومية، لأنهم كأشخاص لا يعرفون بلدا إلا السعودية، يشعرون أنهم سعوديون، ولكن النظام يتعامل معهم كمقيمين مؤقتين، عليهم تجديد الإقامة، والبحث عن “كفيل” يعملون تحته حصريًا ولا يكسبون المال إلا عن طريقه.

    هذا التعامل يُشعر الكثيرين بالغضب والمظلومية والإقصاء، لكنني منذ سنوات عديدة قررت أن لا أتأثر بهذه الأفكار السلبية، وأن أتعامل مع هذه الأنظمة بشكل إيجابي ومتفهم، فوجودها ليس مؤامرة ضدي، ولا شخصنة معي، إنما هو تنظيم حكومي له أسبابه، وأنا لدي الخيار إما بالعيش فيه أو الخروج. “مو عاجبتك البلد اطلع برا” فكرة منطقية، فإما أن تعيش بالظروف المتاحة، وتحاول أن تنظر للجوانب الإيجابية من العيش هنا “وهي كثيرة طبعا”، وإما أن تخرج وتبحث عن بلد آخر.

    أما أن تبقى، وتكره البلد وتكره النظام وتشعر بالمظلومية، فهذه خطوة حمقاء لن تقودك إلى مكان.

    طبعا، قرار استمراري بالعيش في البلد التي هي وطني، أحبها وأحب ناسها، تبين بعد سنوات أنه كان قرارا منطقيا الحمدلله، فقد عشت منذ ٢٠١٦ حتى اليوم حياة عظيمة شخصيا ومهنيًا وماليًا.

    فأولًا، السعودية هي وطني الذي عشت فيه وعاشت فيه عائلتي الممتدة منذ ٤ أجيال (منذ أبو جدي) أو كفلسطيني، منذ الـ ٤٨.

    هذا الرسوخ العائلي يجعل الحياة في مكان آخر هجرة عن العائلة والذات، وهو انسلاخ صعب جدا.

    كما أن السعودية بلد عظيم حقًا، الحياة الاجتماعية والعائلية والأخلاقية والدينية فيه جميلة، التعليم فيه رائع، الفرص فيه جبارة، والاقتصاد فيه منتعش جدًا.

    أرى أن من يعش في السعودية، سواء كان سعوديا أو من المواليد أو مقيما جديدا، إذا فهم حجم الاقتصاد والفرص والنمو المستمر في التشريعات والتطوير الدائم، سينجح ويعيش حياة طيبة.

    أما من يرى جوانب سلبية ويشعر بالمظلومية والمؤامرة، فبطبيعة الحال لن يستطيع العيش ولا الكسب ولا النجاح.

    الآن، وبعد أن مررت بهذه الظروف، كانت فكرة الهجرة منطقية للكثير من الناس حولي، هربا من الواقع الصعب الجديد لي شخصيا، وكبوابة لبدء صفحة جديدة في مكان آخر، وقد قررت عدم الهجرة مجددا، للأسباب التالية:

    أ- أهم ٢٠ شخص في حياتي هنا

    أحد الأصدقاء الحكماء، قال لي: شوف وين أهم ٢٠ شخص بحياتك، وعيش قريب منهم، فمهما كانت الأماكن الأخرى تبدو جنة، سيكون بُعدك عن أهم الأشخاص في حياتك جحيما.

    ب- السعودية عظيمة

    الحقيقة أن هذه الدولة نهضت في جيل واحد بسرعة غير طبيعية، فالجيل المولود في الخمسينات الميلادية، عاش في قرى من غير كهرباء، اليوم يقودون شركات تقنية ومالية ونفطية ويتحدثون لغات متعددة ويساهمون في الاقتصاد والسياسة العالمية بشكل فعال، وفي الوقت نفسه يفخرون ببداوتهم وثقافتهم وإبلهم وشِعرهم.

    يحب الكثير من العرب النظر للسعودية والخليج أنهم “بدو جهلة حصلوا على أموال طائلة من النفط”، وهذه نظرة قاصرة، فالنفط مورد طبيعي لم يكن ليبني نهضة ودولة لولا العقول التي أدارته بشكل فعال، اقتصاديا وسياسيا، كما أن “البدو” هؤلاء لو لم يكن لديهم الحكمة والجاهزية والحضارة وغيرها من السمات الشخصية كشعب، لم يكن النفط ولا أمواله أن تبني شعبا ولا دولة.

    أقول هذا الكلام صادقا والله، وكنت أقوله دائما، ولا يهمني أن يظن البعض الآن أنه تزلف أو أو، لأنه رأيي الحقيقي الصادق الذي لا ينتظره أحد أصلا.

    باختصار، قررت عدم الهجرة لأن من يهمني من الناس هنا، ولأن هذه البلاد عظيمة، ولأني لا أحمل في قلبي أي حقد أو غضب أو مظلومية، لا سابقا ولا الآن.


    2- لماذا قررت العودة لصناعة المحتوى؟

    بما أن هذا المجال كان سببا في كارثة حلت بي وبأسرتي، يتمنى الكثيرون حولي أن لا أعود أبدا للشهرة وصناعة المحتوى، وهذا خوف مفهوم طبعًا. ولكنني لم أشك لثانية واحدة في هذا القرار، سأعود حتمًا! كيف لا أعود!

    الشهرة لذيذة، ومهما حاولت البحث عن أسباب منطقية وشريفة للعودة، يجب علي الاعتراف أن الوجاهة والشهرة لذيذة، وتركها طوعًا قرار صعب، تخيل أن تكون مليونيرًا، وتسجن بسبب المال، فتقرر أن لا تعود مليونيرًا؟! مستحيل.

    أما الجانب المنطقي الذي أقوله لنفسي، أن صناعة المحتوى لها جوانب شريفة، التأثير ونشر الإلهام والتغيير شيء شريف جدًا، أزعم أنه يحفزني ويقود رحلتي في صناعة المحتوى من اليوم الأول.

    أحب التأثير، أحب نشر خير، أحب أن أتواصل مع الناس وأعرف أن شيئا فعلته قد نفعهم، وهذه ثروة عظيمة لا أستطيع تركها، مهما كان الثمن.

    هل سأعود لمربع؟ أو البودكاست؟ لهذا جواب مفصل في نشرة قادمة بإذن الله.


    3- لماذا قررت إنشاء مشروع؟

    أمضيت سنوات طويلة بلا وظيفة، بشكل طوعي الحمدلله، لأنني استطعت بفضل الله أن أحصل على المال بدون وظيفة، وهذه معجزة. اليوم أصبحت لدي مشكلة جديدة: لن يوظفني أحد أصلا!

    فالحمدلله أنني حتى الآن مستقر ماليًا، ولكنها حالة مؤقتة، فالطريقة الوحيدة لكسب المال هي أن أصنع بنفسي شركةً ما، تنتج شيئا ما، يجلب لي المال.

    بشكل غريب، أصبح إنشاء مشروع شخصي ضرورة قصوى وطوق نجاة وحيد، لا ترفا ولا استعراضا، لا توجد لدي فرص أخرى! يجب أن أبدأ مشروعا، يجب أن ينجح!

    هذه الأسئلة كانت ملحة وصعبة عليّ وعلى أسرتي، اليوم بعد أن عرفت أجوبتها، أجد راحةً ومسؤولية، راحة لأن الطريق واضح، ومسؤولية لأن الخطوة التالية أصبحت ضرورية ومستعجلة، ولا يوجد أي عذر أو سبب للتأخير.

    الشهرين الماضية خطوت خطوات صغيرة كثيرة نحو الوجهة الصحيحة، أبطأ من المأمول، لكن المهم أنني أمشي بالاتجاه الصحيح.

    وهنا، في هذه السلسلة، سوف أشارككم هذه الخطوات بإذن الله، دعواتكم 🫶🏻.

  • الكتابة كعلاج.. وتسريبات من مذكراتي الخاصة

    الكتابة كعلاج.. وتسريبات من مذكراتي الخاصة

    وعدتكم أعطيكم أسراري، هنا مذكرات أول مرة يقرأها آدمي

    “أنا سعيد وراضٍ جدا عن كل جانب في حياتي، بشكل مربك.
    زواجي سعيد، بنتي بصحة وعافية، المال يتدفق، الشهرة تزيد، العمل عظيم، مربع ينمو صاروخيا، الحكومة تحبني 😂، وقابلت **** ** *****
    أعترف أنني خائف من كل هذا، أشعر وكأنه حلم، فلا يمكن أن تكون الحياة بهذه الروعة.
    وأشعر أنه شيء مؤقت، هو بالطبع مؤقت، لكن لكم؟ سنة؟ سنتين؟ ١٠ سنوات؟
    أحاول أن أكون حكيما في تصرفاتي الآن، في هذه المرحلة العظيمة التي لا أعرف كم ستبقى ولا هل ستعود بعد أن تذهب.
    أريد أن أنظر إليها بعد عشر سنوات، بلا ندم، وأن تكون كل تصرفاتي حكيمة ثقيلة رزينة.
    اللهم بارك، وارزقني الحكمة والبصيرة والحمد.
    الحمدلله..”

    *من مذكراتي اليومية، ٥ يونيو، ٢٠٢٤، قبل أن تنقلب حياتي رأسا على عقب بأسبوع واحد فقط.


    كنت قبل قليل أتجول في مذكراتي اليومية، التي كنت أكتبها يوميا بداية كل صباح، أجلس مع كوب كبير من الماء وأكتب ما يجول في خاطري، وأراقب أهدافي، أسرد مخاوفي وأرتب أفكاري، كانت عادة يومية عظيمة.

    وأنا أتجول في المذكرات، ذهبت إلى الأسبوع الأخير قبل الكارثة، وتذكرت ماكان يجول في خاطري تلك الأيام: الحياة رائعة جدا، بشكل مربك.

    حياتي الحمدلله جميلة، لكن لحظات الصفو فيها قليلة مقارنة بلحظات العواصف والهزائم والمحاولات الفاشلة، فعندما كانت كل جوانب حياتي ممتازة، كنت أشعر بشعور غريب، كأن الحياة تخدعني، كأن مصيبة كبيرة قادمة.

    أخبرت صديقي المقرب في لقاء قبل الكارثة بيومين، أنني أشعر أن شيئا سيئا سيحدث قريبا، كنت أخاف من مرضٍ أو موتٍ يطالني أو يطال أحبابي.

    زوجتي، قبل الكارثة بيوم واحد فقط، بكت فجأة، قالت: “أحس أنك بتروح مني”، بعدها خرجت مع أصدقائي في مخيم بالرياض، وهممت أن أركب الدباب الصحراوي، لكنني تذكرت خوف زوجتي وقلت: الحين أركب الدباب وأموت، تجيني بعدين تقول: شفت قلتلك!!!

    هل كان تشاؤما؟ حدسا؟ أم اعترافا بحقيقة كونية:

    جلسة الكتابة بالنسبة لي: لابتوب وقهوة

    أشعر بشيء من الخجل وأنا لا أزال أكتب عن هذا الموضوع، أريد أن أمضي قدما وأكتب عن شيء مختلف، أريد أن يشغل بالي شيء آخر، ولكنني أعترف.. الخروج من هذا المأزق أصعب مما توقعت، الانتقال للمرحلة القادمة أصعب مما توقعت، عمليا ونفسيا.

    المرحلة الصعبة التي أمر بها اليوم ليست جديدة عليّ، فقبل تلك المرحلة الذهبية من حياتي ٢٠٢٢-٢٠٢٤، كنت أمر بمرحلة صعبة جدا، صحيا ونفسيا وماليا واجتماعيا وأسريا 😂، الآن جاءني فضول للبحث في تلك المرحلة ووجدت ما يلي (أشارككم هذا النص بغصة في حلقي، فلم يقرأه أحد قط، حتى أنا لم أقرأه منذ أن كتبته)، ولكن: تمونون.

    في مايو ٢٠٢٢، كتبت:

    “أشعر أنني عالق في مرحلة غريبة، أيامي تمر بلا أي إنجاز يذكر، لا أعمل ولست موظفا في مكان، ليس عندي شيء أستيقظ من أجله كل يوم، أكلي مخربط ووزني ١١٠، أشعر بفراغ كبير في حياتي، وأحاول أن أخطو الخطوة التالية لكنني عالق.

    بعد خمس سنوات من محاولات الزواج، تزوجت، ولكن جهد المحاولة خلف فراغا كبيرا في نفسي، فكل ذاك الحيز الكبير الذي كان يشغله موضوع الزواج أصبح الآن خاليا، وكل الطاقة والتركيز المنصب هناك أصبح للاشيء، ربما أشعر الآن كخريج جامعي لا يعرف أين يذهب، بعد أن صب كل جهده في التخرج وتخرج، فوقف فجأة ليقول: ثم ماذا؟

    أقف الآن أمام نفسي وقد تزوجت، ولم أعد صغيرا، فلا يوجد في العمر وقت وحيز للتجارب العبثية واللانظام، لكنني لا أزال عالقا في المرحلة المنصرمة، الصبا؟ لا أعلم.

    لكنني أعلم جيدا أن عدم وجود عمل ثابت يشغلني كل يوم، لم يعد مناسبا لحياتي الجديدة، فالآن هناك زوجتي التي تراني كل يوم نائما معظم الوقت، وبلا إنجاز، وهناك مخاوفها المالية عن عدم قدرتي على الصرف بشكل مستمر، وهناك أيضا فكرة الأبوة! يا إلهي كيف سأصبح أبا وأنا هكذا؟ مستحيل.

    بدأتُ هذه الأيام بتأمل فكرة أنني بين مرحلتين فعلا، وأنني أنتقل لمرحلة جديدة يجب أن آخذ من المرحلة السابقة خيرها وأترك شرها، لأكون جاهزا لتحديات المرحلة الجديدة بطبيعتها.

    في المرحلة القديمة، أنا حاتم الحر العفوي اللطيف، الذي لا يأبه برأي أحد به، ولا يخضع لكل العاديات الاجتماعية والمهنية، فطز بنظام الجامعة وطز بالوظيفة وطز بالأصدقاء والمجتمع، سأشق أنا طريقا خاصا بي، أصممه كيف أشاء.

    هذه المرحلة جميلة، جميلة جدا، ففيها اكتشفت حياةً غير تلك التي كان ينبغي على من هو مثلي أن يشقها، وأنجزت الكثير وتعلمت الكثير، لكنني وأنا أكتب الآن، أكتشف حرفا بعد حرف أنها فعلا كانت مرحلة، وهي ليست أنا الذي يجب أن أكونه دائما.

    فحاتم المرحلة الجديدة يجب أن يكون أكثر جدية وأكثر انضباطًا، فهو الآن زوج وقريبا بإذن الله أب، وأمامه مستقبل يجب أن يبدأ بناءه، انتهى الآن وقت التجارب والعفوية والفرفرة، يجب أن يبدأ البناء.

    يجب أن يكون لدي عمل ثابت، ودخل ثابت، لنضع ميزانية واضحة لحياتنا ومنزلنا، فرفال المسكينة لن تقوى تحمل اللانظام الذي أتحمله أنا، فأصرف ما في الجيب ليأتيني مافي الغيب، الآن هناك “حساب الراجحي” الذي يجب أن أضع فيه ٥٠٠٠ شهريا لمصاريف البيت ورفال، فهناك على الأقل هذه ال٥ آلاف، التي اكتشفنا بعد شهرين أنها لا تكفي.

    وهناك أيضا السفر، فأين هو الفائض من المال هذا الي نسافر به؟ خصوصا بعد العاصفة المالية التي عصف بها الزواج على حساباتي البنكية فتركها قاعا صفصفا.

    وهناك هاجس الأبوة، الهاجس الجميل الذي أسأل الله أن يمن علينا به، ولكنه هاجس مالي صعب، فكيف أكون مسؤولا عن نفسي وبيت وزوجة وابن! وأنا لست منتظمًا في عمل ولا أعرف كم هو دخلي أصلا!

    وهناك هاجس اللابناء هذا، أن أعمل وأعمل وأعمل، لآتي بعد عشر سنوات ولا أجد شيئا تم بناؤه، حصةً في شركة، رأس مال كبير، إرثا يمكن استدامته واستمراره.. الخ. فالنطنطة لا تبني إرثا، ولا تصنع مجدًا.

    أما مشاكلي الشخصية بين كل هذا فلا أعلم أين محلها، هزائمي وتشتتي وسمنتي وصحتي، فلو استمريت على هذا الحال فسينتهي بي المطاف مريضا بالضغط والسكر في منتصف الثلاثينات على أقل تقدير، وخائبا ومهزوما. وهذا ما لا أريده بالطبع.

    بين فوضى الأفكار هذه، قررت أن أقف وأنظر لحياتي، الماضي منها والحاضر والمستقبل، أحللها وأفهمها، لأعرف أكثر من أنا، ماهي مراحلي، ما المميز فيها وما السيء، وما الذي أريد أخذه معي لمرحلة جديدة، وما الذي أريد دفنه تحت طبقات من النسيان.”


    كانت هذه المقدمة لمشروع كتابة طويل، تفرغت له ذلك الوقت، وكان هذا المشروع قرارا موفقا جدا الحمدلله، فمنه انطلقت للمرحلة التالية، التي أصبحت بحمدالله المرحلة الذهبية في حياتي.

    هذا المشروع، هو من صناعة الصهيوني الجديد لعنه الله، جوردن بيترسون، الذي كنت أتابعه بحب حينها قبل أن يصبح عاهرةً صهيونية رخيصة بين يدي بين شابيرو وجماعته، جوردن لديه برنامج كتابة جميل اسمه “برنامج الكتابة عن النفس“، استفدت منه حقيقةً بعد أن عرّبته لنفسي، يقودك للتفكير والكتابة عن حياتك، في البداية يجعلك تكتب وصفا شاملا عن حياتك، ثم تكتب بالتفصيل الممل عن نقاط قوتك، نقاط ضعفك، فرصك المهدرة، الحياة التي تأمل أن تعيشها، الجحيم الذي تخاف أن يحل بك.

    حقيقةً، استفدت من هذا البرنامج كثيرًا، كان بمثابة علاج نفسي، لأنني جلست مع نفسي لأيام، واستخرجتُ مني الكثير، ورتبت الكثير، وبما أنني كنت أكتب بشكل مستمر، كانت العادة واللياقة موجودة، وكان هذا البرنامج بمثابة الموجّه للمناطق التي ينبغي علي التأمل فيها.


    الآن وأنا أكتب، أشعر بشعور أفضل، لم أكن أعرف عمّ سأكتب، لذلك فتحت المذكرات ورأيت ذلك الاقتباس، وقررت الكتابة عنه، ثم تذكرت أنني قبل تلك المرحلة الذهبية كنت أمر بمرحلة سيئة، فذهبت للمذكرات تلك، هذه الرحلة السريعة -معكم- ذكرتني بمراحل صعبة قديمة مررت بها وتجاوزتها بحمدالله إلى مراحل عظيمة، ومثلها هذه المرحلة بإذن الله تعقبها مراحل أجمل وأعظم.

    بعيدا عن الحلطمة، أنصحكم بالكتابة كل يوم، وأنصحكم أيضا ببرنامج جوردن بيترسون.

    سأقفل التعليقات لهذه النشرة، هربا من تعليقات التعاطف والمحبة، اعتبروها وصلت 🫶🏻، دعواتكم يا أحبة.

  • سجال بين ملاك المرونة وشيطان الفخامة

    سجال بين ملاك المرونة وشيطان الفخامة

    أمارس اليوم خطأً شهيرًا كنت أحذر الناس منه.. اعتراف والتزام

    ما أصعب البداية، ما أصعب النهوض من جديد، وما أغربه

    عندما قررت البدء في رحلة مربع عام ٢٠١٨، كنت متأثرا ببعض الكتب التي قرأتها تلك الفترة، من أهمها كتاب “البداية اللينة – ذا لين ستارتب” يشرح الطريقة الصحيحة لبداية المشاريع، أن تكون صغيرة ومرنة، أن تبدأ بأسرع وقت ممكن بإمكانياتك الموجودة وتتطور لاحقا، أن لا تضيع الوقت في مرحلة التخطيط وما قبل البداية

    تأثرا بهذه الفكرة، بدأت مربع بأبسط الإمكانيات -المايك بـ ١٣ ريال-، بدون فيديو – مع أنني أعرف كيف أصور فيديو- وبدون شعار حتى.

    في غرفة نومي، أول تسجيل لمربع – أكتوبر ٢٠١٨

    كانت الخطة كالتالي: مية حلقة بعدين يصير خير، كان التزامي: سأنتج مئة حلقة، بدون رعايات بدون فلوس بدون وضوح بدون توقعات، المهم أن أنتج مئة حلقة.

    حتى عندما قررت تصوير مربع، اشتريت كاميرا بـ ٨٠٠ ريال فقط، بدون إضاءات ولا زحمة، كاميرا فيديو رخيصة بجودة رديئة، ولم أشترِ كاميرا جيدة حتى جاءت رعاية مرسول، واستلمت مبلغا جيدا -٤٠ ألف- صرفته كاملا على معدات جديدة، كاميرات وعدسات وإضاءات.

    شيئا فشيئا تطور مربع، في الحلقة العاشرة أهدى إليّ صديقي يوسف يحيى شعارًا، وفي الحلقة ٣٠ بدأت تصوير الحلقات وأصبح مربع يُنشر صوتًا وصورة، وبعد مئة حلقة: مربع في ثمانية، وكان خير فعلا ❤️.


    طوال السنوات الماضية كان يتواصل معي الراغبون في بداية بودكاست جديد، وكنت أراهم يقعون في الخطأ ذاته، يريدون بداية عظيمة وضخمة، يشترون المعدات الغالية فورا، يريدون أن يصبحوا فنجان من أول يوم. كنت أنصحهم أن يبدأوا صغارا، ببساطة، بدون ميزانية ولا مستثمر ولا راعي ولا فريق ولا ماركات غالية ولا إيجار استديو، ثم أن يكبروا شيئا فشيئا.

    ولأن معظم الناس لا تريد البداية بهذه الطريقة، فإن معظهم يفشل، إما أن يضيّع وقته في التخطيط والتمويل ويتشتت فلا يبدأ أبدا، أو أن يبدأ بداية ثقيلة صعبة الاستدامة ويفشل بعد حلقات معدودة على أصابع اليد الواحدة.

    اليوم تدور بي الدنيا وأعود لمرحلة البداية، وأكرر نفس الخطأ الذي كنت أرصده في الناس: أريد أن أبدأ بداية عظيمة.

    الشهرين الماضية قمت بشراء أفضل المعدات، وأمضيت الساعات والساعات في متابعة الدروس والقنوات والحسابات. صحيح أنني جربت تصوير بعض المقاطع وكانت التجارب عظيمة، لكنني لم أجرب بما فيه الكفاية، لم أصور وأحرر وألون بما يكفي، لم أنشر أي شيء، لم أجرب.

    في عقلي معركة بين اثنين، ملاك البداية المرنة السريعة، وشيطان البداية القوية الفخمة.

    الشيطان مقنع -ابن الكلب-، يقول أنك لست جديدا على هذه الساحة، وأن عودتك يجب أن تكون عودة قوية تليق بك، وأنك يجب أن تصنع مستوى جديد من جودة المحتوى لنفسك، شيئا لم تفعله من قبل، يجب أن تثبت لنفسك والناس أنك قادر على البدء من جديد، أفضل وأقوى. أنك كما نجحت وحدك من قبل، ستنجح وحدك الآن.

    أما الملاك، فيقول: ياحاتم يا حبيبي، المحتوى هو أهم شيء، عندك آيفون! هذا كل ما تحتاجه، صور بالآيفون المحتوى الجيد، انشره، وتطور من هناك شيئا فشيئا، يا حاتم لا أحد يعرف الفيديو مصور بآيفون أو بكاميرا ب ٢٠ ألف وعدسة ب ١٠ آلاف وإضاءة ب ٥ آلاف ولابتوب ب ١٥ ألف، يا حاتم والله ماله داعي. يا حاتم ابدأ فقط، ابدأ اليوم، ارجع لطريقتك السحرية التي أثبتت نجاحها، حبة حبة.


    في هذا السجال، ضاع حاتم، وشتت نفسه بشراء أشياء جديدة وتعديلات هنا وهناك ودروس ومتابعات، فالله يلعن الشيطان.

    ولكنني اليوم استجمعتُ قواي ولعنت الشيطان، وقررت أن أضع حدا لهذه المهزلة، وأضع موعدا!

    فاشهدوا عليّ يا قُراء النشرة، أنني سأنشر أول فيديو في حساباتي الجديدة في يوتيوب، وانستقرام، وتيكتوك، الخميس القادم بإذن الله ١٩ يونيو، وأنني -بعون الله- سأقوم بنشر مقطع قصير يوميا، لمئة يوم، بلا انقطاع.

    كذلك، سأقوم بإنتاج عشرة إعلانات تجارية بجودة عالية، لعملاء حقيقيين، مجانًا.

    تورطنا، التزمنا، ووعدنا، فبسم الله 🔥 دعواتكم