قُم يا مَلاكْ

خُذنِي هُناكْ

نحْوَ الشّمالِ عَلىْ الخَريْطةِ مُسرِعًا نحْوَ الهَلاكْ

واحْفَظ طَريقًا لِلإيَابِ فرُبّمَا

صَرخَتْ بِوجْهِي لاْ أُريدُ بِأَن أرَاكْ

فمَضَيتْ، أنَا وَالمَلاكْ

••

حَتّى إِذا وصَلَ الطّرِيقُ بِنَا إلَى أسْوارِهاْ وَرأَيتُها

هيَ دوْلةٌ أبدِيّةٌ

الخَوفُ فِيهَا ميّتٌ

فَتَرىْ هُناكَ جنَازةً مِن خَلفِهاْ دبّابةٌ

فِيهَا اليَهودِيْ صَامتٌ ومُشتّتٌ

أوَليْسَ بِالأمْسِ قَتَلناهُم هُنا؟ هَذيْ الجنَازةُ جُرأةٌ

فيُريْدُ أنْ يتَفرّقُوا

••

يخْرُجْ إِليْهِمْ خَائِفًا برَوِيّةْ

مُستَنكرًا أعْدادَهُم بِطرِيقةٍ هَزَلِيّةْ

“هيّا هَيّا” ومُلوّحُا بالبُندقِيّةْ

فَيرَاهُ رهْطٌ يُؤمِنونَ بِأنّ بِاللّهِ المَعِيّةْ

لاْ يَملِكُونَ سِلاحَهُ إلاّ انتِماءً للقَضيّةْ

فَيردّدُونَ خَسِئْتْ ! هَذِي فِلسْطينُ الأبِيّةْ

أَتَخالُنَا هِبنَاكَ أوْ أفْزَعْتَ أنْفُسَنَا القَوِيّةْ

قُومُوْا حِماةَ المَسجِدِ الأَقصَىْ حِماةَ القُبّةِ الذّهَبيّةْ !

قُومُوا عَلِيهِ وَأخْرِسُوا أَحْلامَهُ الوَرْدِيّةْ !

بحِجارَةٍ نُقِشَتْ عَلىْ أَجْنَابِهَا قُدْسِيّةْ

وعِمَامةٍ لِعُروبَةٍ مَنسيّةْ

ورَصَاصَةٍ بِدمَائِكُمْ مَطْليّةْ

وشَظِيّةْ

الخَوفُ فِيهِمْ ميّتٌ، هِيَ دَولَةٌ أبَدِيّةْ

••

أكمُلتُ فِي سَيرِيْ هنُاكْ حَتّى رَأيْنَا دُورَهَا

فَهُناْ الحَياةُ جَميْلةٌ والقَتلُ لَيسَ يُضِيرُهَا

فالكُلُّ يَعرِفُ أنّهُ إِن مَاتَ فِي تَحرِيرِهَا

فمَنَازِلُ الشّهَداءِ عنْدَ ﷲ أطْهُرُ حُورُهَا

••

ودَخَلتُهاْ مِن بَعدِ مَا فَرغَتْ مُعَانَاةُ الجَمَارِكْ

فإذَا المَلاكُ يُقُولُ لِي “هَاقدْ وَصَلْنا عُقْرَ دَارِكْ

هَذِيْ فِلسْطِينُ، هناك، تِلْكَ العَجُوزَةُ فِي إنْتظَارِكْ

فهَمُستُ فِي أُذنِ العَجُوزِةِ مرْحَبًا واسْتَبشِريْ أنَا فِي جِوارِكْ

••

نَفسِي فِدَاكْ

إنّي أتَيتُ مُطأْطِئًا أبْغِيْ رِضَاكْ

وأتَيتُ كَي أرْعَى حِمَاكْ

وأمُوتُ أنْعمُ في ثراْك

صرَخَتْ بِوجْهيْ عُد! أَنَا لاْ أُرِيدُ بِأنْ أَراكْ

نَادَتْ شَهِيدًا مِن هُناكْ

قَالتْ لهُ قُمْ يَا شهيد، هَذا ابْنُ عَمّكَ قَدْ أتَاكْ

يقُولُ بِأنّهُ يَبغِيْ رِضَاكْ

قُمْ قُلْ لهُ: أَرِضيْتَ يَاعَربِيّ أنْ قَتَلُوا أَخَاكْ

أَنَسِيتَنِي؟! وَظَنَنتُ كُلّ النّاسِ تَنسَانِي سِوَاكْ

أنَسِيتَ أنّكَ صَامِتٌ سِتّينَ عَامًا فِي ارْتِبَاكْ

وأنَا هُنَا أُغْتَالُ يَومًا بَعدَ يَوْمٍ مِن زَمانِ الذُّلِّ ذَاكْ

كَمْ مرّةً أَبكِيْ وأَشْكِيْ خَابَ مَن يَومًا شَكَاكْ

كَم مِنْ دُموعَ بَكَيتْ؟

مَاذَا مِنَ الأهْوَالِ فِي صَبرِيْ رَأيتْ؟

أنتَ الذِيْ الذّلَّ ارْتَضيْتْ،

وَأنَا جَنَيتْ !

آلآنْ أَتَيتْ؟

عُد حَيثُ جئِتْ ! أنَاْ لاْ أُطِيقُ بِأنْ أَراكْ !

••

صمَتَ الشّهيدُ لِثانِيةْ

لعَنَ الحَياةَ الفَانِيةْ

ونَظرْتُ فِيهِ بنِصْفِ عَينٍ حَانِيةْ

وغَرقْتُ فِي أحْزَانيَ

حَتّى إِذاْ نَطقَ الشّهيدُ ومُصْرخًا آذَانيَ !

قَال:

أوَلَيسَ دِينِيْ دِينَكْ ؟

أوَلَيسَ رَبّي رَبّكْ ؟

أوَليْستِ الأرْضُ الجَرِيحَةُ أَرضَكْ ؟

أوَلَيْستِ العَذرَاءُ “أَو كَانَت” أَليسَت عِرضَكْ ؟

هَذِي الحَياةُ سَتنْتهِيْ، مَاذَا سَتترُكُ خَلفَكْ ؟

مَاذَا سَيكُتبُ عَنكَ تَارِيخٌ سَيلعُنَ خَوفَكْ ؟

مَن أنَتَ فِي صَفَحاتِهِ أوْ مِنكَ مَاذَا أدْركْ ؟

سَتكُونُ فِي التّاريخِ دَهْرًا خَافَ أنْ يَتحَرَّكْ !

لاْ تَسْألِ الشّهدَاءَ كَيفَ اسْتُشهِدُوا وَاسأَلْ بِذلكَ نَفْسَكْ !

••

أوْ سَل جُموعَ السّامِعِينْ

مَاذا يُفِيدُ العُذر خَذْلَ الأَقْربِينْ ؟

إِنّا عَلىْ صَمتِ العُروبَةِ صَابِرينْ

مِن يَوْم مَا بِعتُمْ عُروبَتكُم بِذلَّ مُطَأطِئينْ

والآنَ تَأتِي كَيْ تَعودْ ؟ فَمَا جَزاءُ الخَائِنينْ

لا تَسرُدِ الأعْذارَ كَي أَنْسَى هُروبَكَ مِن سِنِينْ

نَحنُ اقْتَرفْنا ذَنبَنا أنّا رَحِمنَا الخَائِنينْ

فَانظُر هُنَاكَ تَرىْ الأُلوفَ مُقاتِلينْ

وقَفُوا عَلىْ أرْضِ القِتالِ مُرابِطِينْ

غنُّوا أهَازِيجَ الحَماسَةِ قَائِلينْ

“مَا يَسلِبُوهُ بِقوّةٍ لنْ تُرجِعُوهُ بِلِينْ”

لمْ يَعرِفُوا لَيلاً وَلا نَومًا وعَاشُوا سَاهِرينْ

الشّمسُ لمْ  تُشرِقْ عَليهِمْ نَائِمينْ

قَالُوا بِأنّ النّومَ عُذرُ الخَائِفينْ

قَالُوا ننَامُ إذَا انْتصَرنَا كَيْ نَنامَ مُنَعّمِينْ

أَلِفُوا الصّباحَ مُحَاصرِينَ وجَائِعينْ

وعَن الدّناءةِ مُعرِضينْ

وفِي الّليالِي قَانِتينْ

فَالنّورُ نُورُ الحقّ نورٌ مُستَبينْ

وانظُرْ هنُاكَ تَرىْ صِغَارًا مَيّتينْ

بِالأَمسِ كَانُوا يَلعبُونَ مُسَالِمينْ

واليَومَ كُوفِئَ سِلمُهمْ بِرصَاصَتَينِ عَلى الجَبِينْ

يَكسُوا الوُجوهَ رَمادُ مَجدٍ دمّرتْهُ قَذائِفُ الصّهيُونِ والمُتَصهْيِنيْن

مُتَبسّمِينْ

آمَالهُم لمْ تَنتهِي وتُورّثُ الآمَالِ لِلأجيَالِ حِينًا بعْدَ حِينْ

وانظُر هُناك تَرى دُموعَ التّائِقينْ

عَزفُوا الدّمُوعَ فأشْجَنُوا اللّيلَ الحَزينْ

ومُتَيّمِينْ

واسْمَع صِراعَاتِ الأَنِينْ

طِفلُ الشّهِيدِ وأُمّهُ بِنتُ اليَتِيمِ مُجاهِدينْ

فَقدُوا الأَحِبّةَ والبَنِينْ

لكِنّ وَعدَ النّصرِ أطفَأَ بَردُهُ  لهَبَ الحَنِينْ

وانْظُر هنُاكَ لغَرقَدٍ سَيكُونَ يَومَ النّصْرِ ضِمنَ الشّاهِدينْ

“خَلفِي يَهُودِي فَاقْتلُوهُ أيَا جُموعَ المُسلِمينْ

فَاليَومَ تُشرِقُ شَمسُنَا وَغدًا نَنامُ مُنعّمِينْ

الآنَ كُلّ نِسَائِهمْ مُلكُ اليَمينْ

ورِجَالُهمْ كُلّ الرّجَالِ مُشرّدِينْ

وانْظُر هُناكَ تَرىْ السّجُونَ مُزَاحَمِينْ

فِيهَا مِنَ الأحْرارِ مَن سُجِنُوا لِدِينْ

بِالعُروةِ الوُثقَى مُستَمسِكينْ

وانظُرْ تَرىْ السّجّانَ أرْعَبَهُ السّجِينْ

فُيعَذّبُونَ مُكبّلِينَ مُصفّدِينْ

رَأوُ ا الشّهادَةَ حلمَهُم ضُرِبُوا وأُوذُوا حَالِمِينْ

إِنّ المَواجِعَ كلّهَا للّهِ والنّصْرِ المُبِينْ

وَانْظُر إِلَيكَ الآنَ يَا عَربِيّ وارْجِعْ لِلسّؤَالْ

مَاذَا يُفيدُ العُذْر خَذْلَ الأقْربِينْ؟

••

ثُمّ اخْتفَى صَوتُ الشّهِيدْ !

أتتِ العَجُوزُ مُشِيرةٌ صَوبَ الطّرِيقْ، فَرَأيتُ ذَاكَ الطّفْل مِنْ ثَكلَىْ وَلِيدْ

يَأتِيهِ جنديٌّ مِنَ الصُّهيُونِ يَقرُبُ مِن بَعِيدْ

يَرمِيْ عَلِيهِ الطِّفْلُ فَرْدَ نِعَالِه الرّثّ الزّهِيدْ

وَيقُولُ هَذَا قدَرُكُمْ !، فَمتَىْ أيَا قَذِرًا تَبِيدْ؟!

مَاذَا مِن الخَيْرَاتِ فِيْ أَرْضِي تُرِيدْ؟!

يَقفِ اليَهْوديْ غَاضِبًا، يَغْتاظُ مِن طِفلٍ تَليْدْ

والبُندُقيّةُ مِن دِمَاءِ الطّفلِ جِيدْ

يَرمِي رصَاصَاً فِي البِدايَةِ حَولَهُ حتّى يَكِيدْ

فَيرُدّ ذاكَ الطّفلُ فِي وَجهِ اليَهُوديْ سَاخرًا ” هَلْ مِن مَزيْدْ “؟!

كَي مِن شُموخِي أسْتزِيدْ !

فَيرُد زَمّامَهُ ويَزيْدْ !!

تَأتِي الرّصاصَةُ مَرةً أُخرَىْ وتَحِيدْ

وتَقولُ لَيسَ يَهابُنِيْ، وَأهَابُهُ، إِنّ الشُّموخَ بِه شَدِيدْ !!

وأنَا مُجرّدُ خِدعَةٍ مِن خَوفِكُمْ حَولِيْ حَدِيدْ

فيَرُد ذَاكَ الطّفلُ هَل فِيهَا مَزيدْ

كَي مِن شُموخِي أسْتزِيدْ !

فَيرُدّ زمَامَهُ ويَزِيدْ !

تَأتِي الرّصَاصُةُ فِي الوَرِيدْ !!

ويقُولُ بَينَ دِمائِهِ “عُمرِي مَدِيدْ”!

قَد قَالَ رَبِّي أَنّ ذِكرِيْ خَالدٌ، أَحسِبتَ أنْ يَفنَىْ الشّهِيدْ؟!

سَأعُودَ عِندَ ﷲ حَرًّا مِن جَديدْ

سَأعُودَ في الفِردَوسِ حَيًّا مِن جَديدْ

••

فَرجَعتُ أبحَثُ عَن مَلاكِيْ كَي أعُودَ وعَن مَكَانْ

أُخفِي مَهَانتِيَ الّتِي قَد لازَمَتنِي فِي الزّمَانْ

يَا أُمّتِي يَا أمّةَ الإِسْلاَمِ وَالإنْسَانْ !!

قُومِي كَفاكِ تَتاليَ الخِذْلانْ !!

قُومِي، فِلسْطِينُ الأسِيرَة تَنسِجُ الأكْفانْ !!

وتُهَانْ !

نَصْرانْ يَا أُمّتي إِن حُرّرَتْ نَصْرانْ !!

نَصْرُ الّذينَ اسْتُشْهِدُوا فِي أَرضِهَا

والإنْتِصَارُ لِمَن يَعِيشُ الآنْ !

••

تمت، قصيدةٌ لقضيّة لم تتم.

*”حين

٢٠١٢/١٢/١٣م

#دولة_أبدية

التعليقات

اترك رد

اكتشاف المزيد من حـاتم النجَّـار

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة