بعد العُزلة، هل تغير شيء من أفكاري؟
العزلة تمحيص لكل المفاهيم والقيم والأفكار، لا أقول العزلة الاختيارية التي نحاول إجبار أنفسنا عليها دقائق معدودة كل يوم -ونفشل غالبًا-، بل العزلة الإجبارية، هناك..ما للسمع إلا الصدى وما للعين إلا المدى. من جرب العزلة تلك، واجه نفسه حقًا، عرف حقيقته، راجع ماضيه وأفكاره ومفاهيمه وقيمه.
هنا، كل شيءٍ متاحٌ و كثير، والنفس مزدحمة.
هناك، كل شيء محدود، و النفس هادئة.
يقول أحمد بخيت هّون عليك، أبشر.
في العزلة، تعود الأولويات لمقدمة الانتباه، فما يشغل ذهنك عندما تخبو الحياة تمامًا، هو ما يهمك حقًا.
في العزلة لا أهمية أبدًا للشهرة، ولا الأرقام، ولا المال، ولا سيارتي الجديدة الفاخرة، ولا جاهي في الملتقيات، ولا سلام الغرباء وامتنانهم في المطاعم والمطارات.. أفدي بكل ذلك: كيف حال بنتي؟ وزوجتي؟ وأمي؟
ولكن! هذه المواجهة مع النفس لا تؤدي بالضرورة إلى التغيير!
في حواراتي معهم، يفترض أغلب الأصدقاء أن عزلتي قد غيرت أفكاري، وأنني اكتشفت الصديق من العدو، وأنني من الآن سأكون شخصًا مختلفًا تماما. فهل هذا صحيح؟

دائما ما كنت أصبو نحو الحكمة في قراراتي، لأنني أؤمن أن حياةً واحدة لا تكفي لحل لغز الوجود الأعظم: عندي هذه الحياة، كيف أعيشها؟
هذا اللغز العظيم، لن تكتشف حله بنفسك، بل بالتعلم والاقتداء والامتثال لقوانين الله السارية في الأرض، تجدها مكتوبة في الكتب، ومرويّة على لسان جدك.
تجدها في القصص المبتذلة، في الروايات العظيمة، في بداهة الإنسان العادي، تجدها في أماكن كثيرة لكن لها اسما جامعًا: الحكمة.
وبشكل يكاد يكون مبتذلًا، أقولها في نفسي ومع غيري: هذا ليس من الحكمة، طيب أين الحكمة في هذا القرار؟ ماهي الحكمة في هذا التصرف.. فلان مشكلته أنه لم يتصرف بحكمة.. الحكمة الحكمة الحكمة.
وعكسُ ذلك، من يعيش على مبدأ أن تجرب كل شيء بنفسك، أن تختبر الأفكار النفسية والاجتماعية كلها، أن تجرب كل أشكال العلاقات العاطفية والجنسية، أن تجرب كل أنواع الصداقات والمعارف، وأن تتيه في الأرض بلا مبدأ ولا اقتداء ولا تقليد، أن تكون أنت مصدر العلم والحكمة لنفسك، يا للحماقة ويالتضخّم الأنا.
كيف يجرؤ إنسان أن يضخم من نفسه وقدراته وعقله وحياته القصيرة والمحدودة، فيضع نفسه مصدًرا للحكمة، وأن يعتقد أنه قادر بنفسه على أن يقود أصعب تجربة في حياتِه: حياتُه، وأن يحل أصعب لغز في الكون: الحياة! كيف؟

خرجت من عزلتي وأفكاري هي هي، ولكنها إن كانت متوسطة الاستواء، فقد أصبحت الآن مستوية إلى حد الاحتراق.
خرجتُ وأصدقائي هم هم، بل إن أقربهم لي قد ازداد قربًا.
لم يصدمني أحد، لم أُفاجأ بأحد، لم يخنني أحد.
أغريبٌ أن تكون أفكار شخصٍ ما صحيحة؟ هكذا بشكل مطلق: لديه أفكار يؤمن بها، تعلمها من مصادر صحيحة، قلد فيها حكماء الدهر، و تتطابق مع الصواب المطلق.
إذا استفزتك الجملة السابقة، فاعلم أنك أكثرت من مشاهدة نتفلكس.
وهذا ليس مصدرًا للفخر ولا مدعاةً للكبر، فياء الملكية في “أفكاري” لا تعني أنني الفيلسوف العظيم الذي استنبطها من الوجود المطلق، إنما أنا مقلّد متواضع يعرف حدود جهله وقِصر نظره، لذا يُقلد ويتعلم ويعترف بالصواب المطلق ويصبو إليه، وهذا مسعى من مساعي الخير، يؤتي ثماره في اللحظات الصعبة.
أما الأصدقاء، فقد كان من الحكمة -بعد توفيق الله- أنني لم أنخرط في علاقات هشة متملقة، فأصدقائي كلهم حقيقيون، وبعد أن أصبحت مشهورا، لم يغير ذلك شيء البتة في حياتي الاجتماعية الصغيرة.
فليس عندي صديق مشهور، ولا أقوم بتصوير أصدقائي عندما أخرج معهم، ولا يعرف أحد من متابعيني من هم أصدقائي أصلًا.
وقد أثمرت هذه القرارات الصحيحة -بفضل الله- في الأيام الصعبة، فعندما تقل -مشاهداتك- إلى الصفر، يصبح لكل -تعليق- معنى، ولكل سؤال عنك قيمة، هنا كان أصدقائي يمسحون على قلبي وقلوب أسرتي بماء بارد بمبادراتهم وسلامهم وسؤالهم.
بسبب كل هذا بعد كثير من أفضال الله عليّ، اليوم أنا بخير، لم ينقلب عالمي رأسًا على عقب، لم أفقد الإيمان بالعالم ولا بالناس، لم أعرّض نفسي للخيانة من أحد، ولا أشعر بالغضب ولا اليأس.
في عصرٍ يحب السيولة والميوعة، ويتفاخر بالشك والتفكيك، أرى في السعي نحو الصواب والحقيقة فضيلة.
هذه الفضيلة، وقفت معي في أيامي الصعبة، و وفّرت عليّ كثيرا من الندم غير الضروري، و عددًا من الصدمات النفسية، ومواعيد غالية في عيادة سلمى المفتي.

اترك رد